المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٧٣الحق، و إغاثة الملهوف، و نصرة المظلوم، والسعي في راحة الأمة و أمنها، و حياطة البلاد من مكائد الأعداء، يحمل الناس على التعليم لدين الله، و على الفقه قبل كل شيء، و على العلوم النافعة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر على سنن كتاب الله، وعلى مقتضى أوامر رسول الله - صلى الله عليه و سلم - منظماً للجيوش، ضابطاً للجنود، مؤدباً لأهل البطر و الطيش و النزق، مشاوراً لأهل العلم، معتمداً على أهل الصلاح، لا يعظم الجبابرة، [111] ولا يحترم أعوانهم، ولا ينظر إلى أُبَّهتهم، و لا إلى مالهم من الرياش،فإنه زهرة ستذبل عن قريب.
و اعلم أنَّ مذهب الإباضية لا يقبل ما يخالف الشرع كما قال بعض الأشاعرة (6) أو أهل الإرجاء (7)، إنَّ الأيمان هو التصديق بالقلب فقط، و بعبارة أخرى إنَّ الإيمان هو معرفة الله بقلبه، فإن آمن بقلبه فهو مؤمن مسلم، و إنْ أظهر اليهودية و النصرانية، و إن لم ينطق بالشهادتين، و ليس الإقرار باللسان و لا الأعمال من صوم و صلاة و زكاة و حج جزءاً من الإيمان.
و حجتهم أنَّ القرآن نزل بلغة العرب، و الإيمان في اللغة التصديق فقط، و أما العمل بالجوارح فلا يسمى في اللغة تصديقاً فليس إيماناً، قال و قد جاء في القرآن حكاية عن إخوة يوسف قولهم " وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ " (8)، أي لست بمصدق لنا ولو قلنا لك الصدق.
وهذه القاعدة التي يضعها هؤلاء تقضي على الدين من أساسه، و ترد على العاملين عملهم، وتأمر الناس بترك الأعمال، فإنَّه إذا كان الإنسان مؤمناً و مسلماً بمجرد الطوية فلِمَ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، محمدا رسول الله… " (9) الحديث.