المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٧٧قال:- " و كان خصومهم يرون أنَّ للإيمان أركاناً ثلاثة : التصديق بالقلب، و الإقرار باللسان، وعمل الطاعات "، قال " لأنَّ الإيمان في اللغة و إِنْ كان هو التصديق بالقلب إلا أن الشارع كثيراً ما يغير المعاني اللغوية، و يزيد فيها و يقيدها،كالصلاة كانت في اللغة الدعاء، فستعملها الشارع في معناها الخاص بها، و قد قال الله في القرآن الكريم " وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " (1)، و سياق الآية يدل على أن المراد بالإيمان هنا الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تنسخ الصلاة عليه و يوجبها إلى الكعبة، وقال الله عز و جل " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ " (2)، و قال في موضعاً آخر " وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ " (3)، و قال " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء" (4)، فنص على أن عبادة الله دين، وعلى أن الدين عند الله الإسلام، و على أن الإسلام هو الإيمان لقوله عز و جل " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (5)، و دليل آخر هو أن الله قال " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (6) فجعل التحكيم من الإيمان، و هو غير التصديق بالقلب.
و أيضاً لو كان الإيمان هو التصديق بالقلب لكان كثيراً من اليهود مؤمنين فقد قال الله إنَّهم يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم، و إنَّهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة [114] و الإنجيل، وقال " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ " (7)، مع أنَّه لا خلاف بين المسلمين عد هؤلاء اليهود كفاراً " (8).