المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٩٦و المراد من ذلك أن الله يريد من عبادة الطاعة ليرحمهم، و لا يريد منهم المعصية ليعاقبهم، و هو أرحم بهم، إلا أن حكمته اقتضت ذلك، فلا قرب لديه إلا بالطاعة، و لا بعد منه إلا بالمعصية.
وعليه فالواجب على المسلم المُوفِّي بما أمر الله عز و جل أن يقوم بالحقَّ، و لا يُقْلِدَ فيه قريباً أو بعيداً إلا إذا كان لا يهتدي إليه بنفسه، فعليه أن يتبع المرشد الصالح، و عليه أن يقبل الحق ممن جاء به قريباً أو بعيداً، و يرد الباطل على من جاء به بغيضاً أو حبيباً كما نص عليه الحديث النبوي عنه- صلى الله عليه و سلم -، فقرب النسب وبعده لا تأثير له عند أهل الحق.
فلذلك ترى الإباضية لا يحترمون إلا الحقَّ، [128] و لا يتبعون إلا العدل، قريبهم فيه المحق و لو نأت به الديار، و بعيدهم فيه المبطل ولو لصقت به الجوار، وهذا هو الذي دعا إليه القرآن الكريم، و الرسول العظيم، و الإباضية لا يعرفون الحقَّ بالرجال، بل يعرفون الرجال بالحقِّ، و هذا مبدأهم من أَوَّلِ أمرهم، نسأل الله السلوك على طريقهم، و الموت على نهجهم.
واعلم أنَّ الإباضية لا يرون غير ما عليه السلف الصالح لَان لهم الدهر أو تخشن، فإنَّهم عند القدرة و سنوح الفرصة فالحق أُنشودتهم، و لن تضيع لديهم الفرص في ذلك.