المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢لقد قُتِلَ عبد الله بن وهب و أصحابه الغرُّ الميامين في النهروان، على أي جرم صَدَرَ منهم يُهْجَمُ عليهم، في صلاتهم و هم بين راكع و ساجد، ماذا فعلوا ؟!، ماذا اقترفوا ؟!، إنما هم أبرياء مَوَفُّون، كانوا بالأمس دروع علي بن أبي طالب و سيوفه الماضية في الجمل و صفين، و لما وافق علي بن أبي طالب على التحكيم عاتبوه فلم يقبل منهم، و انخدع لمكيدة الأشعث قائده في الظاهر، و هو القائد عليه في الحقيقة، فلما لم يجدوا بغيتهم عنده، و علموا أنَّ إمامته زالت [131] عنه، و كانوا رأوه حسب اجتهادهم قارف إثماً عظيماً حيث ترك إمامة ثبتت بإجماع المسلمين، و ألقها إلى الحكمين يتلاعبان بها كيف شاءا، يوليانه أو يعزلانه.
امض قدماً، و أنت أمير المؤمنين، و ذو الفقار في يديك، و المسلمون معك، و لا تنخدع للأشعث بن قيس و بالأمس تَسُبُّهُ، وتعلم منه ما تعلم من انحرافه عنك.
فلما رأى أولئك منه هذا الحال علموا أنَّ الفتنة واقفة على الأبواب، فتسللوا زُرَافات و وحدانا، و اجتمعوا بنهروان لينظروا في أمرهم، فبالأمس ابتلى الناس بعثمان و أحداثه، و اليوم تأتيهم بلية أكبر من الأولى، و هي أنَّ إمامهم يلقي إمامته من عنقه إلى الحكمين يحكمان فيها بما شاءا، و أصبحت الإمامة تلك المدة و هي عدم، إذ أخذت عليها العهود و المواثيق.