المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥و كان علي بن أبي طالب من علماء الصحابة و عبادها، إلا أنَّ حبه الخلافة أوقعه في ما وقع فيه من بلاءها، فلم يهتدي لسياستها، فإنَّه لما مات النبي - صلى الله عليه و سلم و آله - ما كان يرى لها غيره، و كان المسلمون لا يرونه لها، فلما تولاها أبو بكر تبرم و دخل في نفسه ما دخل من التأثير، حتى إذا استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب بقي في نفس علي أنها فلته و سترجع إليه، فكان الأمر على خلاف ما ظَنَّ، فزاد تبرمه، و تَشَكِّيه، ثم لما جعلها عمر شورى وكان علي أحد الستة.
لو كان الأمر كما يقول الذين يرونها لعلي، و أنَّه مظلوم فيها من أول الأمر و ثانيه، ما باله لم يقم بالصحابة محتجاً، و فيهم الأنصار و المهاجرون و خيار الأمة، فإن كان ذلك العمل باطلاً ما باله يدخل فيه !، و ما باله لم يستصرخ المسلمين !، و ما باله لم يعترض على زعيم الشورى عبد الرحمن بن عوف (5) !، و ما باله لم يستدع [134] المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، ويقوم على رَدِّ الباطل ممن جاء به!، و المسلمون إذ ذاك متوافرون، و الإسلام ما قرَّ قراره بعلي و أبناء عمه، و إنما قرَّ قراره بسيوف الأنصار و المهاجرين، فما بال أناس لا يرون في الكون كله إلا على بن أبي طالب، و لا ينظرون إلا ما ينسب إلى علي بن أبي طالب، و لكن هذا كله غير كثير ممن يزعم أن علي وَصِيُّ النبوة، و أنَّ جبريل خان الأمانة إذ أرسل بالنبوة إلى علي فألقها إلى محمد !!!، سبحان الله من مثل هذه الأحوال !!!.