[المقام الخامس]: طاعة الجبابرة تمنع من سلوك طريق الآخرة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢فإن إمامة الإباضية تقوم مقام الرسالة النبوية، لا تفارقها قيد شعرة، إلا أنَّها لا يوحى إليها، فتراها تتبع مناهج النبي المصطفى، و تسلك مسلك أهل الصدق [168] و الوفاء، لا قائد لها إلى الله إلا الشرع، و لا سائق لها إلا الحق، و لا مرافق لها إلا العدل، و لا همة له إلا إجراء الأمور في مجاريها الصحيحة، تعظم ما حقرته الجبابرة، و تحقر ما عظمته، تقف على حدود الشريعة من جميع جهاتها، كل جهدها إنصاف مظلوم، و إغاثة ملهوف.
تبذل المال في طاعة ذي الجلال، لا تمن له عندها إلا ذلك، و لا تهتم إلا بما يسد الرمق و يقيم الصلب، تدعوا إلى طاعة الله عز وعلا في القريب والبعيد، لا حكم معها إلا ما يقتضيه القرآن، و لا وجهة لها إلا إلى الله عز و جل، لا تطيِّبها الشهوات، و لا تستحوذ عليها اللذات، فالعبد الأسود عندها و السيد الأمجد لديها سواء، لا يقدَّم أحداً عندها إلا فعله الجميل، و لا يؤخره إلا سيئ فعله مهما كان، تبع لقوله - صلى الله عليه و آله وسلم - " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى " أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
و اعلم أنَّ قيصر علم على كل من ملك الروم، و كسرى علم على كل من ملك على الفرس، كما أن اسم تبع علم على كل من ملك على اليمن، و الجلندى اسم لكل من ملك عمان، و مضى بذلك عهد في الجاهلية على هذا الحال.
و لا يخفى أنَّ الملوك لهم مذاهب، وعادات، و أخلاق خاصة بهم، و لا ريب فإنَّ الشهوات تتحكم عليهم، و رغبات النفوس [169] تستولى على قلوبهم، و على كل حال لا يتقيدون بدين في سبيل رغباتهم، فلذلك مثل بهم شيخنا الإمام الناظم - رحمه الله- حيث قال :
كمثل قيصر و مثل كسرى… إلخ
و فيه التنديد بهم، أي هم ملوك يتفاخرون بالشهوات، ويتباهون غالباً بالمستلذات و المشتهيات، و تلك سنتهم إلا ما شاء الله جاهلية و إسلاماً.