[المقام السادس]: أول حدث في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٦٨و لما أفضى الحال بعثمان إلى هذا الحد من حنق المسلمين عليه، و رفضهم إياه، و ما ذلك إلا لأحداثه، و سوء الأحدوثة من ورائه، ألبسه لباس البغضاء، و أشاع له في الناس كراهية، فإن الله عز و جل إذا أحب عبداً وضع له الحب في قلوب عباده، كما صرح بذلك الحديث، و بضده إذا أبغضه الله، نسأل الله أن يمنحنا حبه لنا و رضه عنا.
وفي حديث حويطب بن عبد العزى كما يقول ابن قتيتة في الإمامة و السياسة " إن عثمان قال : لقد بدا لي أن أتهم نفسي بهؤلاء، فأتى علياً و طلحة والزبير فقال لهم : هذا أمركم تولوه و صنعوا فيه ما شئتم، و ذلك حين ضاق الخناق، و نفسه تجاذبه على عدم الرضا بتخلي، فإن لو تخلى عن الأمر ما كان لهم فيه غرض إلا ذلك، و لكنه لم يحصل منه، و أما العدل لم يقدر عليه لعدم التوفيق له، و لا تسمح نفسه بالخروج من إمارة المسلمين، وحب الرئاسة هو الشهوة الخفية، نعوذ بالله منها.
فإنَّه لما طاف عبد الرحمن [195] على زملائه لم يقل واحد منهم لا يريدها حتى حلفهم عبد الرحمن يميناً بالله العظيم أنه يعدل إذا تولاها، و لم يسأم منها أحد، و لم يتبرم منها واحد، و لا استعاذ بالله منها، و لا ترفع عن الرغبة فيها مع العلم بها أنها من أصول الشر، إلا من ابتلي بها فإن الله يعينه عليها، و يوفقه للقيام بأعبائها فيستعيذ العاقل من حبها.
بقي حملهم على أنهم يحبونها لكي يقوموا بحقوقها، و يمشوا بها على منهاج الخليفتين أبي بكر و عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، و كل واحد منهم يعد نفسه أنه القادر على ذلك، أو الأقدر عليه، فمن خلصت نيته وفقه الله، و من كان في نفسه غير ذلك ابتلي فيها، و عجز عنها، و لم يقدر على القيام بها، فاضطرب حبلها عليه، و سقط في يده رغم ادعاءه، و النفس أغلبها أمارة بالسوء.