[المقام السادس]: أول حدث في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥قال " فلم يجدوا بداً من بيعته على ما شرط عليهم " قال " فلما تمت البيعة و أخذ عهودهم و مواثيقهم على ذلك، كاتب معاوية فأتاه فخلا به، فاصطلح معه على أن الإمامة لمعاوية ما كان حياً، فإذا مات فالأمر للحسن " و كأنه بايعه إياها بيعا اقاليا، لا تفوته بعد موت معاوية " قال فلما تم صلحهما صعد الحسن المنبر فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال أيها الناس، إن الله هدى أولكم بأولنا، و حقن دمائكم بآخرنا، و كانت لي في رقابكم بيعة تحاربون من حاربت، و تسالمون من سلمت، و قد سالمت معاوية بن أبي سفيان و بايعته فبايعوه… إلخ ".
هذا ما كان من أمر الحسن، يلقي البيعة من عنقه إلى معاوية عدوه و عدو أبيه و عدو المسلمين، فكان عوناً لمعاوية على ظلمه، و عهد الله في عنقه، فبأي طريق استحل الحسن خلع عهد الله و ميثاقه، و وضع البيعة إلى ذلك الطاغية، أما كان أولى به أن لو رفض البيعة لما رأى أنها لا تمكن له و لا تتأتى.
و لا يكون عوناً لمعاوية فيكون شريكه في ظلمه، و ليته صارح الذين جاءوه للبيعة بأنه يبايع معاوية، فإن وافقوه فقد جنوا على أنفسهم، و ذلك أسلم له عند الله عز وعلا، فإن من أعان ظالماً على ظلمه كان شريكه إجماعاً.
و إن كان الحسن أراد بذلك حقن [203] دماء المسلمين كما يشير إليه قوله " و حقن دمائكم بآخرنا " فسفك الدماء المسلمين جهاداً في سبيل الله أمر مطلوب حضت عليه الرسل، و نصت عليه الكتب، و المسلمون خلقوا لافتداء الدين، و أنصارا لأوامر رب العالمين، و كأنه علم أن أخرهم هو، و لقد تحققت فراسة أبيه علي بن أبي طالب فيه إذ قال لقومه " أما الحسن فصاحب خوان، و فتى من الفتيان، و لو التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور ".