[المقام السادس]: أول حدث في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦فصدقت فراسته فيه، و للوالد غالبا فراسة صحيحة في الأولاد كادت لا تخطأ، فكان الحسن يضع الخلافة في فم معاوية، و يشترطها من بعده، و قد عجز عنها، و المسلمون معه يبايعون له على الحرب و السلم، و كأن الخلافة ميراث.
أهكذا يقول الشرع ؟! أهكذا يقول العقل ؟! أهكذا تقول الرجولة ؟! أهكذا يقول ذو الفقار ؟! لا و الله إنما الدين قام بسيوف حمراء فظلوا أياماً لا تغسل منها الدماء، يراها الباغي تلمع في أكف أبطالها الميامين، الذين لا يعرفون الذعر عند التقاء أبطال الرجال، خصوصاً في نصرة ذي الجلال.
و لما كان من الحسن ما كان، دخل عليه سليمان بن صرد بعدما تمت البيعة لمعاوية، و انصرف راجعاً إلي الشام، و كان سليمان هذا غائب عن الكوفة، و كان سيد أهل العراق و رأسهم، فقال للحسن : السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن : و عليك السلام اجلس لله أبوك، و كان سليمان منكر لصنيع الحسن، فلذلك خاطبه بذلك الكلام، الذي تشف منه البراءة من أعماله.
وقال : إن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك لمعاوية - أي لما علمت من [204] حال معاوية مع أبيك، و أنت الآن تبايعه و الأمل فيك غير ذلك -، قال : و كيف تبايعه و حولك مئة ألف مقاتل هم معك من أهل العراق… إلى آخر ما قاله و ما حركه به، و وعده بانفعاله.
و كان سليمان سيداً مطاعاً، و أيده أيضاً أصحابه بمثل هذا الكلام، فتعلل بعلل واهية، و برد حرارته بكلام لين جعله معذرة له، و حكى حكايات يرويها عن أبيه عن أبيه لا تسمن و لا تغني من جوع، و لا يرضى بها أدنى الناس، و ينفر منها أهل الرجال.