العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

المقام الثاني: في بيان معنى الإباضية.

الجزء ١ · صفحة ٩٩

و هنا قام دور التطور في الأمة، و التمذهب في الملة ؛ ليبرز معنى حديث رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فكان الإمام أبو الشعثاء، و أبو عبيدة، و أبو عمرو، و العلامة صحار بن العباس، و ضمام بن السائب، ومن انضم إليهم من رجالات العلم و العمل، و عبدالله بن إباض الركن [60] الأكبر لهؤلاء، و عليه أطلق عليهم اسم الإباضية، لكون عبدالله صار لهم بمنزلة الزعيم، لا أنه عالمهم الذي يرجعون إليه في مهماتهم، و يصدرون عن فتاويه فيما يغشيهم من أمر دينهم،كبقية رجال العلم الذين صاروا لأتباعهم مَرْجِعاً، و لإخوانهم مصدراً علمياً، قلدوهم عليه، و اعتمدوا أقوالهم فيه، كأبي حنيفة، و الشافعي، و مالك، و ابن حنبل، و من في معناهم من رجال العلم الذين اشتهروا في أيامهم، و ارتسموا طرقاً لأقوامهم، و قرروا لهم قواعد دينهم، فأخذوا بها، وتركوا ما سواها، إذ اعتقدوا فيهم اعتقادات، لو علمها أولئك ما رضوا بها، و أصرَّ كل فريق منهم على قول عالمهم، و رفضوا ما عداه، و تنافسوا إلى ذلك إلى حدٍ بعيدٍ، حتى صاروا أضداداً لبعضهم بعضاً في ذلك.

فكان الآخذ بقول أبي حنيفة لا يرى ما عداه، و لا يرضى به بديلاً مهما كان، و بذلك صار لهؤلاء مذاهب خاصة اختصها مقلدوهم فيها، و أصبحوا يعرفون بها، كما حكى التاريخ ذلك عنهم، فكانوا بذلك أربعة مذاهب، كل مذهب منها له أهميته، و قواعده، و حججه، و مؤسساته في الأمة، و تَعَصَّبَ كُلُّ فريقٍ لشيخه و أستاذه.

فكانوا إذا جاء القول عن أحد هؤلاء الأربعة، قام له أتباعه مؤيدين و مقدسين، حتى غَلَوا فيما بينهم، و مضى على ذلك عهد غير يسير، حتى توسَّطَ من جاء من بعد ذلك من رجال العلم، الذين يحاولون الاقتراب من بعضهم بعضاً، فأخذوا ببعض أقوال أحد الشيوخ الذين يمكن التسامح معه في شيء ما و مضى.[61]

٩٨ / ٤٧٢