2- العقل نور الهداية ومناط التكليف:
الجزء ١ · صفحة ١٩والدافع إلى مثل هذه المطالبات إنما هو العناد فحسب . وإلا فإن العقل السليم إذا ما وظف التوظيف الأمثل فإنه ما يلبث أن يدل صاحبه على ضالته .. وصاحب العقل السليم يدرك الحدود التي يقف عندها العقل لأن خالق الإنسان أعلم بحاجته ، وبالتالي فإنه أعطاه القدرات التي هو بحاجة إليها في الإطار المحدود فوجه بصره إلى عالم الشهادة يتدبر معالمه.
وقد جاء في الحديث الشريف:
(تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتهلكوا)
وفي رواية: (فإنه لا تحيط به الفكرة).
والنفس التي تحس بوجود الله تبارك وتعالى إحساساً يقينياً، وفكرة الإلوهية أعظم من أن تدركها الحواس وبالتالي فإن العقول لا تدرك كنهها لأنها تستمد المعرفة من بوابات الحواس التي تطل على العالم الخارجي الذي أوجدته القوة الخارقة والقدرة الإلهية المطلقة، وهذه القدرة هي خارج نطاق العقل المحدود.
وقد حاول فلاسفة اليونان معرفة الله تعالى واسعملوا عقولهم في المون فأدركوا أن هناك قوة مهيمنة على هذا الكون، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد بل دفعهم فضولهم المفرط إلى ما وراء الطبيعة وحاولوا أن يكشفوا أستار الغيب لكنهم ضلوا سواء السبيل لأن ذات الله تعالى لا تدركها العقول ، وهي ذات لا تقوى الأبصار والأفكار والأذهان على إدراكها واستيعاب حقيقتها:
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) الأنعام: 103
والإسلوب السليم في هذا المجال هو البدء من القاعدة ليتسنى الوصول إلى القمة.
يبدأ المرء بالتفكير في ملكوت الله ليصل إلى معرفة سنن الخالق في الكون. فيعلم أن الصنعة لابد لهامن صانع والخلق لابد له من خالق، وأن كل ذرة في الكون تدور حول محور الحالجة إلى المدبر الذي أتقن الصنعة.
( صُنعَ الله الذي أتقن كل شيءٍ ) النمل: 88
لذا فإن العقل يدرك أن كل صغيرة أو كبيرة في الكون قد أحيطت برعاية عجيبة وعناية فائقة تنطق بالواحد الأحد الذي خلقها وتسبح له.