تقديم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٩وقد زخر التراث الفكري الإباضي ببحوث واسعة جامعة في أصول الدين فاضت بها أقلام أساطين علماء الإباضية المتبحرّين الذين نذروا حياتهم لنصرة الحق وقمع الباطل بنصب الحجج ودرء الشبه، فتعاقبوا منذ القرن الأول الهجري على الاضطلاع بهذا الواجب وأداء هذه الرسالة غير أن من دواعي الأسف أن السواد الأعظم من المسلمين ظلوا محرومين من الانتفاع بهذه الكنوز الغالية إما لعقد نفسية سببتها القطيعة التي اصطنعت بين أبناء هذه الأمة رغم كونها تعبد إلها واحدا، وتدين بملة واحدة وتؤمن برسالة واحدة، وإما لقصور في تصور ما تعتقده هذه الطائفة من الحق وما تستند إليه من الحجج.
وإن من أشائر البشائر أن نرى جماعة من رواد الدعوة الإسلامية ودعاة وحدة هذه الأمة- سواء كانوا من الإباضيين أو غيرهم- تحفزهم الغيرة على الحق إلى نفض الغبار الذي تراكم على هذا التراث الفكري وإزاحة السدود التي أرختها عليه القرون الغابرة ليبرز وجهه المشرق للناظرين ويتجلى جمالة الأخاذ لطلاب الحق وعشاق الحقائق.
ومن بين هؤلاء الساعين لهذه الغاية النبيلة أخونا الفاضل الشيخ فرحات ابن علي الجعبيري الذي طوف بفكره الوقاد بين معالم هذا التراث عبر العصور المتتالية منذ القرن الأول الهجري إلى قرننا هذا، وأرسل يراعه الملهم إلى أعماق محيطات هذا التراث وبحاره فعاد بحصيلة واسعة من جواهر الفكر ازدان بها عق أطروحة أخينا العزيز التي اختصها بهذا الموضوع بعد ما شقق عنها أصداف اللبس بتحليلاته الواسعة وبيانه الفياض، فكانت أطروحته بحق منهلا لكل وارد، ومنتجعا لكل رائد بما فيها من فتح لأقفال كانت مغلقة وتجلية لحقائق كانت مستورة.
وقد أولى عنايته الخاصة بالتراث المغربي في الثلاثة القرون الهجرية العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، لأن موضوع بحثه، سوى أنه ألم في مناقشاته وتحليلاته بما قدمه علماء المذهب في هذا المجال في سائر القرون، سواء كانوا من أهل المشرق أو من أهل المغرب.