تمهيد:
الجزء ١ · صفحة ٣٧٤الباب الثالث: الانسانيات
الفصل الأول: القضاء والقدر
تمهيد:
قال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (21 الأنبياء23) وجاء في سياق الحوار بين موسى عليه السلام والذي آتاه الله علما من لديه قوله تعالى: (قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) ( 18 الكهف 67) (1) وأنى لموسى أن يصبر على سفينة تخرق بدون سبب ظاهر، وعلى فتى يقتل عبثا، وعلى جدار يبنى مقابل رفض للضيافة.
ولقد ثار موسى على الرجل الذي عاهدة بأن يلتزم بالصمت، وكان الفراق بينهما بعد أن فسر له سر تصرفه بأمر الله تعالى، فالسفينة حرقت لتبقى لأصحابها، والغلام قتل حتى يبدل الله والديه من هو أقرب منه رحما، والجدار بني حفاظا على كنز ولدي الرجل الصالح، تحير موسى واستفسر لأنه حكم على الأحداث اعتمادا على الظاهر فجاء التفسير يدل على أن وراء الظاهر باطنا لا يعلمه إلا الله أو من آتاه الله من لدنه علما (2) .
ولا يخفي على أي عاقل أن علم الإنسان محدود مهما بلغ ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (17 الاسراء85) لأن العقل إذا سخر في المحسوسات التي في دائرته يمكن أن يصنع العجائب، أما إذا تحول إلى عالم الماوراء أو الغيب فإنه لا يدرك إلا تخمينات تتضارب فيها آراء الفلاسفة من النقيض إلى النقيض.
وما عرفنا عالما يعتبر قضية القضاء والقدر من مشمولات العالم المادي فهي حتما قضية ما ورائية غيبية.
والناظر في الثقافات العالمية عبر العصور يتبين أن الإنسان عبر عن وجهة نظره في هذه القضية بوجه من الوجوه، وتجاوز التساؤل عن فعله إلى التساؤل عن فعل الله عيسى أن يدرك حقيقة مصيره بعد الموت.
إن الذين يقرون أن آدم أول البشر يتساءلون لم أكل آدم من الشجرة؟ فأنزل إلى الأرض (3) ، ولم عصى إبليس ربه ولم يسجد لآدم (4)