المقدمة التعريف بالخلق وبالقرآن
الجزء ١ · صفحة ١٠٢وقد أجاد الإمام ابن أبي نبهان رحمهما الله ببيانه وجه إضافة هذا الكلام إليه تعالى، حيث قال ما معناه: "أرأيتم لو أن الله تعالى أراد أن يخاطب عباده بأبلغ الكلام وأصدقه، من غير هذا الذي أنزله عليهم، أليس بقادر على أن يخلقه مكتوبا بقلم قدرته في اللوح المحفوظ، ويأمر أحد ملائكته في السماء أن ينزل به على قلب أحد عباده في الأرض، ليبلغه إلى الناس ويأمرهم بتلاوته وكتابته والعمل بمحتواه، لا ريب أن كل من آمن بالله لا يشك في قدرته على ذلك، وإذ تبين لكم إمكان هذا، أرأيتم إلى من يضاف هذا الكلام؟ أيقال هو كلام الناس الذين يتلونه أم كلام الرسول الذي بلغه إليهم أم كلام الملك الذي نزل به، أم كلام اللوح الذي سطر فيه، أم كلام القلم الذي كتبه، أم كلام الخالق العظيم الذي أخرجه من العدم إلى الوجود؟ إنه لمما يتبادر لكل عاقل أنه لا يجوز أن يضاف حقيقة إلا إليه تعالى" (1)
وجاء شيخ الإسلام المحقق الخليلي رحمه الله تعالى بنحو هذا البيان، وقال في آخره: وأما نسبته إلى الله تعالى مع كونه متلوًّا لنا من نطق ألسنتنا، بأصوات وألحان ونغمات، بأحرف وكلمات من ألفاظنا، فالأصل فيه أن كل قول ينسب إلى من قاله لا إلى من قرأه ولحن به، وبيانه لو أن أحدا قال في معلقة امرئ القيس أو قصائد أبي تمام أو البحتري أو غيرهم إنها من كلامه، ونسبها إلى نفسه إذ قرأها، لكان ذلك منه خطاً فاحشا. أو كما تجد الآثار المنسوبة إلى أهل العلم فتنسبها لقائلها منهم، ولو لم تسمع نطقه بها، ويحتمل في كاتبها أنه لم يلفظ بها أصلا، أو كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل: (أنشدني أبياتك التي قلتها البارحة ولم ينطق بها لسانك ولا سمعتها أذناك) فقال الرجل: أنا أشهد أنك رسول الله، ولقد قلتها ولم ينطق بها لساني ولا سمعتها أذناي ثم أنشده إياها،
(1) / المرجع السابق بتصرف وإيضاح