الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه
الجزء ١ · صفحة ١٠٨وقد خفي هذا البعد في التفكير عن أبصار الذين جاءوا من بعد هؤلاء، فحسبوا أن امتناعهم عن التصريح بخلق القرآن لأجل قدمه، فصرحوا بخلافه وتحاملوا على من قال بخلقه، وأدى بهم ذلك إلى تناقض عجيب، يظهر لك عندما تقرأ ما كتب في هذا الموضوع في تلك الحقبة من الزمن، كالجزء الأول من بيان الشرع، والجزء الأول من الكشف والبيان، وديوان الإمام ابن النضر.
وكثيراً ما تلمس فيما كتبوه أثر ما كان عقب تلك المحنة من ردة فعل عنيفة تبلورت فيما كتبه الكاتبون عنها، وإظهارهم للمنكوبين فيها بأنهم أبطال الأمة وشهداء عقيدتها الحقة، الذين حموها بدمائهم وصانوها بتضحياتهم، وقد انعكس أثر هذا المنطق العاطفي الجياش على كل ما دونه المؤيدون لهم في تلك الوقفة التي وقفوها. سواء كان هؤلاء المؤيدون من مشارقة الإباضية أو من الأشعرية أو من غيرهم، وقد استمرت هذه الفكرة في الوسط الإباضي المشرقي حتى برز من علماء عمان المتأخرين من فتحوا بتحريرهم أقفال الأشكال، وأزاحوا ببيانهم أستار الشبه فإذا بالموقف المشرقي الإباضي يلتحم مع الموقف المغربي ويتحد.
وقد استقريت أسباب اللبس في هذه المسألة، حتى اشتد نكير طائفة من المسلمين على من قال بخلق القرآن فوجدته يعود إلى أمرين اثنين
أولهما: التباس القرآن المنزل في أفهامهم بالكلام النفسي الذي يراد به نفي الخرس
ثانيهما: التباسه بعلم الله سبحانه وتعالى به، مع أن صفتي الكلام والعلم قديمتان