الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه
الجزء ١ · صفحة ١٠٩وما مر بك في المقدمة من التفرقة بين الكلام المنزل والكلام النفسي، وبينه وبين علم الله سبحانه كاف في رفع هذا اللبس وتبديد هذه الشبهة، وأضيف إلى ذلك أن التكلم لغة وعرفا لا يكون إلا بمعنى إحداث الكلام، فإذا قلت تكلم محمد لم يفد قولك هذا إلا أنه أحدث كلاما في زمن مضى، وإذا قلت يتكلم فلا يدل إلا على إحداثه الكلام في الزمن الحاضر أو المستقبل لأن المضارع صالح لهما، وإذا قلت: تكلم يا فلان لم يدل إلا على طلب المخاطب بإحداث الكلام.
ولا يعني قولك هذا بأي صيغة من صيغه الثلاث الإخبار عن كون الكلام صفة قائمة بذات المتكلم أو المطلوب منه التكلم، وإلا فما معنى قولك لغيرك تكلم إن كان الكلام المطلوب قائما به، وهل هذا إلا تحصيل حاصل؟ وهذا لا ينافي استحضاره للكلام قبل أن يتكلم به، لأن مفهوم الكلام النفسي يختلف عن مفهوم الكلام اللفظي، وبجانب ذلك فإن من الواضح بداهة أنك إن أخبرت عن أحد بأنه تكلم يوم الجمعة أو سيتكلم يوم السبت، لم يفد ذلك لغة ولا عرفا أنه كان متكلما بذلك الكلام الذي تكلم به أو سيتكلم به قبل ذلك التوقيت، وقد خاطب الله عباده بلغتهم التي يعرفونها ومفاهيمهم التي يألفونها، فإذا أخبرهم أنه كلم أحداً من خلقه في وقت ما، لم يفد إخباره هذا إلا أنه أحدث التكليم في ذلك الوقت، فلا وجه لجعل ذلك الخطاب الذي سمعه المكلم أو قرأه صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، نعم هو معلوم لله سبحانه منذ الأزل كعلمه بكلام خلقه حروفه وكلماته، جُمَلِهِ ومفرداته، ألفاظه ومعانيه، مخارجه ومقاطعه، أصواته وصفاته.
وأما قول ابن القيم "وقد دل القرآن وصريح السنة، والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته وهي صفة ذات وفعل". قال تعالى: (إنما قولنا لشيءٍ إذا