الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه
الجزء ١ · صفحة ١١١كيف تركتم عبادي، ويكلمهم يوم القيامة، ويكلم أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين يومئذ، ويكلم أهل الجنة في الجنة، ويسلم عليهم في منازلهم، وأنه كل ليلة يقول: (من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، من يقرض غير عديم ولا ظلوم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا" ومعلوم أنه في ذلك الوقت كلمه، وقال له تمن عليّ إلى أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة" .. الخ كلام (1).
فهو كله حجة لنا على صحة ما قررناه، من أن المراد بتكليم الله سبحانه إحداثه للكلام في الوقت الذي يكون فيه، وإلا فما معنى تقييد تكليمه بالليل أو النهار أو الدنيا أو الآخرة أو غير ذلك من الأزمنة، لو كان هذا الكلام نفسه أزليا.
والفارق بين إحداث الله لكلامه، وإحداث العبد لكلامه أمران:
أولهما: ما يفرق به بين أفعال الله وأفعال العباد من حيث إن العبد لا يستقل بإيجاد فعله استقلالا تاما، وإنما له منه جانب الكسب والله هو الخالق له، والثواب والعقاب مترتبان على كسب العبد لا على خلق الخالق، فكلام المخلوق - كسائر أفعاله - مخلوق لله عز وجل، وليس للمخلوق منه إلا الاكتساب، ولا يستنكر أن يخلق الله للعبد كلاما في نفسه ثم يجريه باختياره على لسانه، كما لا يستنكر أن يخلق الله في العبد حركة من الحركات ثم يجريها باختياره على العضو المتحرك منه، أما كلام الله فهو كسائر أفعاله - من إيجاد وإعدام، وعطاء ومنع، ورفع وخفض، وبسط وقبض، وإحياء وإماتة - لا دخل لأحد من خلقه فيه
ثانيهما: تفاوت صفتي تكليم الحق وتكليم الخلق، كما تباين أفعاله تعالى أفعال خلقه، كتعليمه سبحانه لعباده، فإنه إما أن يكون إلهاما يقذفه في
(1) / الصواعق المرسلة ص429/ 430، مطبعة الإمام 13 شارع قرقول، المنشية بمصر، وانظر فتاوى ابن تيمية ج12 ص239/ 240 ط1 - مطابع الرياض