الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١١٢

صدور من اختصهم به، ومنه (وعلم آدم الأسماء كلها) الآية 31 من سورة البقرة، و (وعلمك ما لم تكن تعلم) الآية 113 من سورة النساء، (علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) الآيات 4 و 5 من سورة العلق، وإما أن يكون وحيا يوحيه بواسطة رسله، وهو داخل في تعليم الإنسان ما لم يعلم؛ وأما تعليم الناس بعضهم لبعض فهو بالتلقين والتدريب.

وكذلك يتفاوت مدلول النصر إذا أسند إلى الله عما إذا أسند إلى العباد، فإن نصر العباد بعضهم لبعض بالمؤازرة بالنفس أو المال أو الجند، ونصر الله لعباده هو خلق أسباب انتصارهم وتهيئتها لهم، ومنه قوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر) الآية 123 من سورة آل عمران، وقوله: (ولينصرن الله من ينصره) الآية 123 من سورة آل عمران ومثله العطاء فإنه يسند إلى الله وإلى العباد، ويتفاوت مدلوله في الإسنادين.

وبهذا تدرك تفاوت صفتي التكليم باختلاف إسناده، فإنه إن أسند إلى الخالق كان له مدلول يختلف عما إذا أسند إلى المخلوقين، فإنه إن أسند إلى المخلوق المعهود - وهو الإنسان - دل على عملية تشترك فيها مشاعره الظاهرة والباطنة، ودماغه ورئتاه، وقصبته الهوائية وشعبه، وحنجرته، وحلقه، ولسانه، وأسنانه وشفتاه مع الطاقة الهوائية المرتفعة من الرئتين، والدافعة للصوت، وهو بهذا المفهوم مستحيل على الله سبحانه، فلا يجوز أن يفسر تكليمه تعالى بهذا المعنى، وقد بين لنا تعالى صفة تكليمه لعباده حيث قال: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) الآية 51 من سورة الشورى

، وناهيك أن سبحانه جعل الوحي تكليما منه، مع أنه إلهام يختص به تعالى من شاء من عباده، وهو أمر متعذر كونه بين إنسان وإنسان آخر مثله، إذ لا مقدرة للبشر على الإلهام، ولو حصل مثله في الناس لما انطبق عليه معنى التكليم المعهود بينهم لغة ولا عرفا.

١١٢ / ٢٣٩