الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١١٣

وإذا عرفت ذلك اتضح لك جواز أن يكون التكليم من وراء حجاب إذا أسند إلى الله، بمعنى خلق صوت مسموع لا يصدر عن شيء، ينبئ عن مراد الله، ويتلقفه سمع من اختصه الله بالتكليم، وعلى هذا يحمل تكليم الله لموسى عليه السلام، وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما الإمام الطاهر ابن عاشور - وهو مالكي المذهب أشعري العقيدة - في تكليم الله لملائكته حيث قال:

"وكلام الله للملائكة أطلق على ما يفهمون به إرادته، وهو المعبر عنه بالكلام النفسي، فيحتمل أنه كلام سمعوه، فإطلاق القول عليه حقيقة، وإسناده إلى الله لأنه خلق ذلك القول بدون وسيلة معتادة، ويحتمل أنه دال آخر على الإرادة فإطلاق القول عليه مجاز لأنه دلالة للعقلاء، والمجاز فيه أقوى من المجاز الذي في نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إشتكت النار إلى ربها) وقوله تعالى: (فقال لها وللأرض أتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) الآية 11 من سورة فصلت، ولا طائل في البحث عن تعين أحد الاحتمالين" (1)

ومثله قوله - في تعليم آدم الأسماء "وتعليم الله آدم الأسماء إما بطريقة التلقين بعرض المسمى عليه، فإذا رآه لقن اسمه بصوت مخلوق يسمعه .. الخ" (2)

وقد اتضح لك مما نقلته سابقا من كلام الإمامين ابن أبي نبهان والخليلي رحمهما الله وجه كون القرآن الكريم وغيره من الكتب المنزلة كلام الله مع كونه مخلوقا له سبحانه، وسقوط شبهة القائلين بقدمه المتشبثين بقوله تعالى: (فأجره حتى يسمع كلام الله) الآية 6 من سورة التوبة

، وهذا هو الذي استقر عليه اعتقاد أصحابنا الإباضية، وقال به كثير من الأشعرية، حتى أن المحقق الخليلي رحمة الله عليه قال: "قد اتفقنا نحن والأشعرية أنه مخلوق

(1) / التحرير والتنوير ج1 ص397 ط بالدار التونسية للنشر

(2) / المرجع السابق ص411

١١٣ / ٢٣٩