الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه
الجزء ١ · صفحة ١١٦ونجد الإمام ابن عاشور في تفسيره لسورة النساء يقول - بعد حديثه عن كلام الله المنزل بواسطة الملك على الرسل المسمى بالقرآن، وبالتوراة وبالإنجيل وبالزبور - وهذا لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدين، ولكن أمسك بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه أو بكونه مخلوقا في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة أو ظلمة المكابرة، والتحفز إلى النبز والأذى دفعا للإيهام وإبقاء على النسبة إلى الإسلام، وتنصلا من غوغاء الطغام" (1)
ومن قول هذين الإمامين الأشعريين يتبين لك ثبوت ما قاله المحقق الخليلي من أن موقف الأشعرية من هذا القرآن المنزل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، المتلو بالألسن، المحفوظ في الصدور، المكتوب في الصحف لا يختلف عن موقفنا وموقف المعتزلة وغيرهم القائلين بخلقه، وهذا الذي يعنيه الإمام نور الدين السالمي رحمة الله عليه حيث جعل الخلاف بيننا وبينهم لفظيا فحسب (2).
ثم ظهر لي أن هذا الموقف لم تتفق عليه الأشاعرة أو أنهم لم يستقروا عليه، فإنا نجد في كتبهم وفيما يروى عنهم أن القرآن الذي نقرؤه، ونسمعه، ونحفظه، ونكتبه ليس هو عين كلام الله سبحانه وتعالى وإنما كلامه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته عز وجل، وما هذه الحروف والأصوات إلا عبارة عن ذلك الكلام وهي مخلوقة لأجل إيصال الأفهام بها إلى مقاصد ذلك الكلام الأزلي، فمثلها كمثل المرآة التي تنعكس فيها صور الأشياء فيراها الناظر منها، مع أن الذي يراه ليس إلا مجرد صورة للشبح المنعكس، ونجد الفخر الرازي - وهو من أئمة الأشعرية - يعزو هذا القول إلى الأشعري وأصحابه بعبارة الزعم الدالة على عدم موافقته
(1) التحرير والتنوير ج6 ص38 ط1 الدار التونسية للنشر
(2) مشارق الأنوار ص245