الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه
الجزء ١ · صفحة ١١٧لهم، وينص على أن من عداهم مخالفون لهم في ذلك، ونص كلامه
أجمعت الأمة على أن الله تعالى متكلم، ومن سوى الأشعري وأتباعه أطبقوا على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة، وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات (1).
والظاهر أن الأشعرية مضطربون في هذه المسألة لأن الفخر الذي يشير إلى تنصله من قولهم في كلامه هذا، قد قال نفسه في مقدمة تفسيره: (إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله تعالى، كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز - إلى أن قال: وإذا قلنا كلام الله قديم لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات، وإذا قلنا كلام الله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة، فإن القديم كان موجوداً قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له، وإذا قلنا كلام الله سور وآيات عنينا به هذه الحروف، وإذا قلنا كلام الله فصيح عنينا به هذه الألفاظ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضاً هذه الألفاظ) (2).
ثم قال: (زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله تعالى، وهذا باطل لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى، وحالَّة في بدن هذا الإنسان وهذا معلوم الفساد بالضرورة، وأيضاً فهذا عين ما يقوله النصارى، من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح وزعموا أنها حالَّة في ناسوت
(1) / مشارق الأنوار ص245
(2) / التفسير الكبير ج1 ص31 دار الكتب العلمية بطهران