الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه
الجزء ١ · صفحة ١٢٠بالقرآن إنكار لما صرحت به النصوص ودل عليه العقل وصدقه الواقع ..
هذا وحكى ابن تيمية وابن القيم عن الأشعري أن الكلام عنده صفة قديمة ليست بصوت ولا حرف ولا يتجزأ، فهو عين الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، وهو عين التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا صفات لذلك المعنى الواحد، وكونه توراة وإنجيلا وقرآنا وزبورا تقسيم لعباراته فإنه إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، والعبارات مخلوقة والحقيقة قديمة (1).
ولئن صح هذا الذي نقلاه فإن بطلانه أظهر من أن يحتاج إلى إظهار لما فيه من الجمع بين الأضداد كجعل الأمر هو النهي، والخبر هو الاستخبار، وليس ذلك جمعا بين الضدين فحسب بل هو جعل الضد عين ضده، ويترتب عليه أن ترجمة التوراة والإنجيل إلى العربية تجعلهما قرآنا، وترجمة القرآن إلى العبرية تجعله توراة، وإلى السريانية تجعله إنجيلا، وهذا عين البطلان، وحسبك أن في القرآن من الحكم والأحكام والقصص والأمثال والعلوم والفوائد ما ليس في الكتب السابقة، كما أن تقسيمه يختلف عن تقسيمها.
وأرى أن الأشعرية لم يكن لهم موقف موحد من هذه المسألة، فهذا إبن رسلان منهم يقول في زبده:
كلامه كوصفه القديم لم يحدث المسموع للكليم
يكتب في اللوح وباللسان يقرأ كما يحفظ بالأذهان
فنجده يثبت صفة القدم للكلام المسموع المكتوب المقروء غير أن
(1) / الصواعق المرسلة ص426، وتكرر ذلك في المجلد الثاني عشر من فتاوى ابن تيمية