الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

وهؤلاء أشد كفراً ونفاقاً ممن يقول: الجلد والورق كلام الله، فإن أولئك آمنوا بالحق وبزيادة من الباطل، وهؤلاء كذَّبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله (فسوف يعلمون. إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) (1)

ولست أريد هنا أن أتحدث عن هذا الحكم الذي حكما به على أصحاب هذه المقالة صحة وبطلاناً، فإن ذلك يستلزم إطالة في البحث ما كنت أودها، وإنما أريد أن أقول إن ما وقعا فيه من التناقض ليس بأقل شناعة مما عاباه على غيرهما؛ أما ابن حزم - فمع تقريره أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى - نجده يؤكد أن كلامه سبحانه هو عين ذاته فعندما حكى عن الأشعرية قولهم إذ قال: (وقالت الأشعرية: كلام الله صفة ذات لم تزل غير مخلوقة وهو غير الله تعالى، وخلاف الله تعالى، وهو غير علم الله تعالى، وأنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد - أردفه بقوله: واحتج أهل السنة بحجج منها أن قالوا: إن كلام الله تعالى لو كان غير الله لكان لا يخلو من أن يكون جسماً أو عرضاً … إلى آخره.

وقال أيضاً: (وأما الأشعرية فيلزمهم في قولهم إن كلام الله غير الله ما ألزمناهم في العلم وفي القدرة سواء بسواء، مما قد تقصيناه قبل هذا والحمد لله رب العالمين) (2).

ولا ريب أنه يلزم على هذا أن يكون القرآن الكريم هو عين ذات الله تعالى، وأن يكون سبحانه بإنزاله إياه وتفصيله له وإحكامه آياته لم ينزل ويفصل ويحكم إلا ذاته سبحانه، كما يلزمه أن يكون كاتب القرآن وتاليه وحافظه لا يكتب ولا يتلو ولا يحفظ إلا ذاته تعالى، وأن تكون الذات العلية هي هذه الحروف والأصوات، فتكون متجزئة بتجزء القرآن

(1) فتاوى ابن تيمية، المجلد الثاني عشر ص382 ط مطابع الرياض، وقد أتى في الرد عليهم بأقذع العبارات التي نزَّهت هذا الكتاب عن ذكرها فيه ولا يعقل صدور ما نسبه إليهم من أحد يدين بالإسلام

(2) /الفصل في الملل والأهواء والنحل ج3 ص 4 مكتبة السلام العالمية.

١٢٢ / ٢٣٩