الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

إلى سور وآيات وجمل وكلمات وحروف وأصوات، تعالى الله عن ذلك كله علواًّ كبيراً.

وقد أتي ابن حزم في احتجاجه لقدم القرآن بسفسطة عجيبة لا يتصور العقل صدورها من مثله، مع غزارة علمه وقوة فهمه (1).

وقد آثرت ضرب الصفح عن إيرادها اكتفاءً بما نقضها به الإمام شمس الدين أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله في آخر كتابه العدل والإنصاف (2).

وإنما يُعجب من عزو الإمام أبي يعقوب ما قاله ابن حزم إلى الإمام أحمد بن حنبل، ولم أجده في شيء من كتب الحنابلة بل ما رأيته فيها مناقض له. وأما ابن تيمية فسترى إن شاء الله في الفصل الآتي من نصوص كلامه ما يوقفك على تناقضه واضطرابه.

هذا ويظهر لون آخر من الخلاف المعنوي بيننا وبين الأشعرية ومن قال بقدم القرآن من مشارقة الإباضية، وهو أنهم صرَّحوا بأن ما سمعه موسى عليه السلام في مناجاته لربه هو كلام الله النفسي القديم وليس بمخلوق، كما هو مقتضى قول ابن رسلان في زبده، وقالوا إنه ليس صوتاً ولا حرفاً، وقد صرَّح بهذا الإمام ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: (وكلَّم الله موسى تكليماً) الآية 164 من سورة النساء

ونص قوله: (فالتكليم تعلق لصفة الكلام بالمخاطب على جعل الكلام صفة مستقلة، أو تعلق العلم بإيصال المعلوم إلى المخاطب، أو تعلق الإرادة بإبلاغ المراد إلى المخاطب، فالأشاعرة قالوا: تكليم الله عبده هو أن يخلق للعبد إدراكاً من جهة السمع يتحصل به العلم بكلام الله دون حروف

(1) المرجع السابق ج3 ص6/ 8

(2) أنظر الكتاب المذكور ج2 ص147/ 156، ط1 وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان

١٢٣ / ٢٣٩