الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٢٩المخلوقين على لسان المخلوقين فهو مخلوق، فأي القولين أحق بالحق وأسعد بالصواب، فإن كان الأول لزم أن يكون الثاني كفراً، وإن كان الآخر فكذلك، لما في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم (ومن دعا رَجُلاً بالكفر أو قال عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه).
وأما اعتذار ابن تيمية عنه بقوله: (وأحمد أنكر قول القائل، إن الله لما خلق الحروف أنه قال: من قال أن حرفاً من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي، لأنه سلك طريقاً إلى البدعة، ومن قال: إن ذلك مخلوق، فقد قال إن القرآن مخلوق) (1)، فهو اعتذار لا يجدي فتيلاً، فإن إنكار خلق ما علم أنه مخلوق بضرورة العقل وتواتر النقل وإلحاقه بالله تعالى في القدم - مع الإعراض عن النصوص القرآنية القاطعة بأن كل شيء سوى الله مخلوق، كقوله تعالى: (خالق كل شيء) الآيات 102 من سورة الأنعام و 16 من سورة الرعد و62 من سورتي الزمر وغافر، وقوله: (وخلق كل شيء فقدَّره تقديراً) الآية 2 من سورة الفرقان، لا يسوغ بحال، فكيف والدافع إليه ليس إلا خشية سطوع شمس الحقيقة وتبخر ضباب الأوهام، التي أرادوها أن تكون ستاراً بين العقول ودركها الحقائق، والأشد من ذلك، عدم الاكتفاء بإنكار الحقيقة فحسب بل تجاوزا ذلك إلى الحكم على من قالها بالجهمية والتبديع والتكفير، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أضيع الإسلام إذا فُسِّر بهذه المفاهيم المتناقضة!! وما أحير أصحابه إن لم يعرفوه إلا بها!!
وإن أردت المزيد من تناقضهم فاسمع إلى ما يقوله ابن تيمية أيضاً: (أما القول بأن المداد المكتوب قديم، فما علمنا قائلاً معروفاً قال به، وما رأينا ذلك في كتاب أحد من المصنفين، لا من أصحاب أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد، بل رأينا في كتب طائفة من المصنفين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد إنكار القول بأن المداد قديم وتكذيب
(1) / المرجع السابق ص 85