الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٢بعضاً، والصحيح عندي أنه قال: ما سمعت عالماً يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، قال: وافترق أصحاب أحمد بن حنبل على نحو من خمسين) 21 (1). وهم في هذا التنازع لا يرجعون إلى أصل من كتاب أو سنة، وإنما كل مستندهم ما يروونه عن الإمام أحمد ويتأولونه من كلامه، فكأنهم جعلوا كلامه أصلا من أصول الدين المستند إليها، فأين هم من قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) 22 الآية 59 من سورة النساء، وقد أغمضوا أعينهم عن كل ما جاء عن الله والرسول مما يجلو وجه الحق ويكشف سدول الجهل عن حقيقته في هذه المسألة مما ستقف عليه في الفصل الأخير إن شاء الله، ومع هذا لا تزال تسمع دعاوي عدم التقليد وعدم التقيد إلا بما ثبت عن الله والرسول فأين الواقع من الدعوى؟!!
وقد بلغ الإصرار ببعضهم إلى التزام كل ما يترتب على القول بقِدم القرآن حتى أصر بعضهم على أن كلام المخلوقين غير مخلوق لمشابهته كلام الله في حروفه وكلماته، كما ذكره القاضي ابن عقيل - من الحنابلة - ونقله عنه ابن تيمية23 (2) وقال إثره:
(
هذا الذي حكى عنه ابن عقيل من بعض الأصحاب المذكورين منهم القاضي يعقوب البرزيني، ذكره في مصنفه فقال: دليل عاشر وهو أن هذه الحروف بعينها وصفتها ومعناها وفائدتها هي التي في كتاب الله تعالى وفي أسمائه وصفاته، والكتاب بحروفه قديم وكذلك هاهنا) قال: (فإن قيل لا نسلم إن تلك لها حرمة وهذه لا حرمة لها، قيل لا نسلم بل لها حرمة، فإن قيل لو كان لها حرمة لوجب أن تمنع الحائض
(1) / المرجع السابق ص366
(2) / المرجع السابق ص88