الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٥يتقيدوا فيها بضوابط، ولذلك أرسل بعضهم فيها عنان القول حتى زعم أن جلد المصحف والوتد الذي يعلق به وما حول الوتد من الحائط، كل ذلك من كلام الله فهو غير مخلوق في زعمهم، وهو وإن عزاه ابن تيمية إلى جهلتهم31 (1) فما أدراك لعل أولئك يعدون معارضيهم هم الجهلة ويزعمون أيضاً مثلهم أنهم أسعد بمذهب الإمام أحمد.
وبهذا تدرك أخي القارئ خطورة هذه العقيدة وما جرَّته على الإسلام من بلاء، فإن إضفاء صفة القِدم32 (2) على ما لا يماري عاقل ولا يكابر حسٌّ في حدوثه، كالجلود، والأوتاد، والحوائط، أمر لا يبقى بعده إلا إثبات قِدم العالم بأسره وإنكار الألوهية رأساً، وإلا فكيف يمكن إقرار صفات الألوهية والربوبية والوحدانية لله سبحانه مع إثبات صفة القِدم لغيره عز وجل بنفي أن يكون مخلوقاً له تعالى، على أن تفرّده تعالى بالقِدم كتفرده بالألوهية سواء بسواء، فإذا جاز لأحد أن يشاركه في إحدى الصفتين جاز ذلك في الأخرى، وفي هذا ما يكشف لكل ذي عينين أن إثارة بحث هذه القضية في الوسط الإسلامي لم يكن إلا مؤامرة دبرها أعداء الإسلام لصرف المسلمين عن عقيدة التوحيد الخالصة، وتمزيق شملهم بهذه الأقوال المتباينة والمذاهب المتعارضة.
وقد أدرك ذلك أحد العلماء المتأخرين الذين تأثروا بعقيدة الحنابلة، تأثراً أفضى به إلى التعصب الذي يجب على الباحث المسلم أن يكون بعيداً عنه، وهو الإمام الشوكاني الذي ترك عقيدته الزيدية واعتنق ما يسمى بالعقيدة السلفية، فقد قال في تفسيره المشهور: (ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ الله بهم أمة نبيهم عن الابتداع، ولكنهم رحمهم الله جاوزوا ذلك إلى الجزم
(1) / المرجع السابق ص381
(2) / ما داموا ينكرون خلق هذه الأشياء فلا ريب أنها عندهم قديمة