الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

بقِدمه، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفَّروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال لفظي بالقرآن مخلوق، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف، وليتهم لم يجاوزوا حدّ الوقوف وإرجاع العلم إلى علاّم الغيوب، فإنه لم يسمع من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول في هذه المسألة شيء من الكلام، ولا نُقل عنهم كلمة في ذلك، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه) 33 (1) (2)

ولا يخفى على ذي عقل ما في كلامه هذا من الاعتراف بالحقيقة مع التعصب للذين نُسب إليهم أن الله وقى بهم الأمة شر الابتداع، بجانب ما ذكره من أنهم أتوا به من غير حجة ولا دليل، واجترأوا على تكفير طوائف من عباد الله من غير صحة ولا برهان، وأي ابتداع أخطر على الأمة من ذلك؟ وأما اختلافهم في تعلق مشيئة الله بكلامه فقد نصَّ عليه ابن تيمية حيث قال: (وأحمد قد صرّح هو وغيره من الأئمة أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، وصرّح أن الله يتكلم بمشيئته، ولكن اتباع ابن كلاب كالقاضي وغيره تأولوا كلامه على أنه أراد بذلك إذا شاء الإسماع، لأنه عندهم لم يتكلم بمشيئته وقدرته.

وصرّح أحمد وغيره من السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يقل أحد من السلف إن الله تكلم بغير مشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم إن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين إنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال. وأن الله قامت به حروف معينه،

(1) / فتح القدير ج3 ص384، ط. مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر

١٤٦ / ٢٣٩