الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٧أو حروف وأصوات معينه قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، فإن هذا لم يقله ولا دلّ عليه قول أحمد ولا غيره من أئمة المسلمين، بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في نقيض هذا، وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء مع قولهم إن كلام الله غير مخلوق وإنه منه بدأ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره، ونصوصهم بذلك كثيرة معروفة في الكتب الثابتة عنهم، مثل ما صنفه أبو بكر الخلال في كتاب السنة وغيره، وما صنفه عبد الرحمن بن أبي حاتم من كلام أحمد وغيره، وما صنفه أصحابه كابنيه صالح وعبد الله، وحنبل، وأبي داود والسجستاني صاحب السنن، والأثرم، والمروذي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري صاحب الصحيح، وعثمان بن سعيد الدارمي، وإبراهيم الحربي، وعبد الوهاب الوراق، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وحرب بن إسماعيل الكرماني، ومن لا يحصى عدده من أكابر أهل العلم والدين وأصحاب أصحابه ممن جمع كلامه وأخباره كعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبي بكر الخلال وأبي الحسن البناني الأصبهاني، وأمثال هؤلاء، ومن كان أيضاً يأتم به وبأمثاله من الأئمة في الأصول والفروع كأبي عيسى الترمذي صاحب الجامع، وأبي عبد الرحمن النسائي، وأمثالهما، ومثل أبي محمد ابن قتيبة وأمثاله) (1) (2) 34
وأنت تدري أن الذين ذهبوا إلى أن كلام الله بغير مشيئته منهم، بنوا قولهم هذا على ما يستلزمه جعل كلامه الحرفي صفة قديمة قائمة بذاته عز وجل، فإن القديم بقِدمه لا تسبقه مشيئة كالعلم والقدرة، والحياة وأمثالها من صفاته تعالى، فكما لا يقال إن الله قادر بمشيئته، وحيّ بمشيئته، وعليم بمشيئته لئلا يسبق إلى الأفهام حدوث هذه الصفات يلزم القائلين بقِدم تكلمه تعالى أن يقولوا إنه غير معلق بمشيئته، وعندما أحس ابن تيمية
(1) / المرجع فتاوى ابن تيمية المجلد الثاني عشر ص85/ 87، مطابع الرياض ط1