الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٨بوقوعه في هذا الفخ لجأ إلى هدم كل ما بناه، ونقض كل ما أصَّله في هذه المسألة، حيث قال: (ولا قال أحد منهم - أي السلف - إن نفس الكلام المعين كالقرآن أو نداءه لموسى، أو غير ذلك من كلامه المعين إنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال، وأن الله قامت به حروف معينة أو حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، فإن هذا لم يقله ولا دل عليه قول أحمد، ولا غيره من أئمة المسلمين، بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في نقيض هذا) 35 (1)
وإذا كان الأمر كما قرره هنا ففيم إذن هذا الضجيج؟ ولماذا يقال إن القرآن غير مخلوق؟ مع إنكاره أن يقول أحد من السلف بأزليته.
فإن قيل إن مرادهم بإنكار خلق القرآن، والإنكار على من قال ذلك لم يريدوا به إلا إنكار كونه ناشئاً عن غيره تعالى، كما يفيده قول ابن تيمية - فيما سبق نقله عنه - (مع قولهم أن كلام الله غير مخلوق وأنه منه بدأ، ليس بمخلوق ابتدأ من غيره) 36 (2)
فالجواب أن وصف شيء بالمخلوقية لا يعني بحال أنه صادر عن غير الله تعالى، فالسماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما لم تنشأ من غيره تعالى، فهل يسلب شيئاً منها صفة المخلوقية لأجل ذلك، وكما أن مبدأ القرآن من الله - كما نص عليه ابن تيمية - فإن مبدأ الكون منه تعالى (أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) الآية 64 من سورة النمل
وما أعجب التناقض والاضطراب في قول ابن تيمية: (إن كلام الله غير مخلوق وإنه منه بدأ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره)، حيث نفى الخلق عن الكلام وأثبت له البداية، وهل البداية إلا خلق، وقوله في آخره:
(1) / المرجع السابق ص86
(2) / المرجع السابق