الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٩(ليس بمخلوق ابتدأ غيره، إن كان مراده به أن كل مخلوق ابتدأ من غير الله فهو مردود بأدلة العقل والنقل كما هو واضح مما ذكرته قبل قليل، وإن كان مراده به نفي اجتماع الصفتين في كلامه تعالى - وهما خلقه وابتداؤه من غيره - فلا معنى لذلك إلا أن يحمل ابتداؤه من غيره على أنه وصف مقيد للخلق المنفي، وهذا - ورب الكعبة - هو عين ما يقوله القائلون بخلق القرآن، إذ لا قائل منهم بأنه ابتدأ من غيره سبحانه، فإن الكل مُجمعون على أنه كلامه عز وجل ووحيه وتنزيله.
فإن قيل لعل في هذا النص الذي نقلته عن ابن تيمية خطأ مطبعي أدى إلى هذا اللبس؟
فجوابه أن ثمَّ نصوصاً أخرى تدل على نفس المعنى، فاحتمال الخطأ فيه احتمال بعيد يكاد يكون متعذراً، ومن هذه النصوص
إن السلف قالوا: القرآن كلام الله المنزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلماً إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم، أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم إن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا إنه كلام الله المنزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه وكان منزلاً منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليًّا قديماً بقِدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلماً إذا شاء فجنس كلامه قديم.) 38 (1)
-أ
وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا من بعدهم من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الآثار متوترة عنهم أنهم كانوا يقولون القرآن كلام الله، ولما ظهر من قال إنه مخلوق قالوا رداًّ لكلامه، إنه غير مخلوق39 (2)
(1) / المرجع السابق ص54
(2) / المرجع السابق ص301