الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٥١سائر الكتب المنزلة وكل كلام ينسب إليه تعالى، وقد سبق نقل بعض هذه النصوص
-2
أنهم مع اعترافهم بعدم قِدم القرآن وسائر الكتب المنزلة، ينفون عنها صفة المخلوقية، ويضللون أو يكفِّرون من قال بخلقها، وهذا محط العجب، وموضع الاستغراب، فإن الكائنات بأسرها إما أن تكون قديمة أزلية لم يسبق وجودها عدم، وإما أن تكون حادثة كانت بعد أن لم تكن، وهي في هذا الكون بحاجة إلى من أخرجها من العدم إلى الوجود وهذا هو معنى الخلق كما سبق في مقدمة هذا المبحث، ولا أدل على وجود الخالق سبحانه وتعالى من حدوث مخلوقاته، ولذلك نجد في القرآن التعجيب من حال أولئك الذين ينكرونه تعالى، أو يشكون فيه مع قيام هذه الشواهد الدالة عليه من خلقه، كما تجد ذلك واضحاً في قوله سبحانه: (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) الآية 10 من سورة إبراهيم
، فإن غير القديم الأزلي يتعذر عليه أن يخرج بنفسه من العدم إلى الوجود، لتعذر أن تكون للمعدوم قدرة أو إرادة أو غير ذلك من الصفات التي يتوقف عليها هذا الخروج، ولو جاز ذلك في القرآن أو نحوه من الكلام المؤلف من الحروف، المنتظم من الكلمات والجمل الدالة على المعاني لأمكن في سائر الأعراض، ولو أمكن في الأعراض لأمكن في الأجسام لعدم الفارق بينهما
-3
ولئن فُتح باب تجويز وجود شيء بعد عدمه من غير خلق، فلن يقف شيء في وجه الملاحدة الذين يدعون أن حدوث الكون ونظامه لم يكن إلا بالصدفة العمياء من غير أن يبدعه خالق أو يدبره مدبر، وإن أشد ما يدعو إلى الاستغراب أن يعترف أحد بوجود شيء بعد عدمه ثم ينفي مع ذلك أن يكون الله تعالى خلقه، مع النصوص القرآنية القاطعة بأن الله خلق الأشياء كلها، كقوله تعالى: (الله خالق كل شيء) الآية 16 من سورة الرعد،