الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الرابع أدلة القائلين بخلق القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

فيك الصفة التي لم تكن فيك والمعنى الذي لم يوجد فيك، ولم أكن فعلته بك قبل ذلك، فمعنى جعل أينما وجد، خلق ودبَّر، وأحدث وأنشأ، وفعل وصنع، وكل ذلك بمعنى واحد، وإن اختلفت ألفاظه) (1). هذا كلامه رحمه الله في الجعل، وأضيف إليه أنني تتبعت الجعل المسند إلى الله في القرآن، فوجدته لا يخرج عن أمرين، إما أن يكون تكوينيًّا، وإما أن يكون تشريعيًّا، وفي كل منهما إنشاء، لما لم يكن، فالجعل التكويني نحو قوله تعالى: (وجعل منها زوجها) الآية 189 من سورة الأعراف، وقوله: (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) الآية 12 من سورة الزخرف، وقوله: (وجعل الشمس سراجا) الآية 16 من سورة نوح، ومعنى الإحداث فيه ظاهر.

والجعل التشريعي نحو قوله: (إني جاعلك للناس إماماً) الآية 124 من سورة البقرة، ومنه الجعل المنفي في قوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة) أي ما شرع بَحْرَهَا، ومن الجعل التشريعي قوله تعالى: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممَّن ينقلب على عقبيه) الآية 143 من سورة البقرة

والفرق بين الجعلين أن أولهما هو إحداث ذات الشيء المجعول أو صفة قائمة به لم تكن موجودة من قبل، وذلك يقتضي إخراج المجعول من حالة إلى أخرى أو من صفة إلى غيرها، وهذا حاصل فيما إذا أسند الجعل إلى الإنسان وكان بمعنى التَّصيير، نحو جعلتُ العجينَ خُبْزاً، والدقيق عجيناً، فإنه في كليهما نقل للمجعول من حالة إلى حالة لم يكن عليها من قبل، فالدقيق قبل أن يجعل عجيناً لم يكن عجيناً، والعجين قبل أن يجعل خبزاً لم يكن خبزاً، ولا يفهم منه إلا أن المجعول تحول بعد الجعل عما كان عليه قبله.

(1) الجواهر المنتقاة / للبرادي ص187/ 188

١٦٩ / ٢٣٩