الفصل الرابع أدلة القائلين بخلق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٧٠والثاني إحداث شرع ينقل المجعول من حكم إلى آخر ككون البيت الحرام قبلة للمسلمين بعد ما كان بيت المقدس قبلتهم.
وجعل القرآن عربيا هو الجعل التكويني لأنه إحداث لمعنى قائم بالقرآن، وهو عربيته، ولا يخلو ذلك إما أن يكون تحويلاً له من وصف إلى آخر، وذلك بأن يكون أولاً غير عربي ثم أحدث الله فيه هذه الصفة، وإما أن يكون إنشاء له على هذه الصفة من أول الأمر، كما أنشأ الله الشمس متلبسة بوصف كونها سراجاً، وكما أنشأ الله الليل متلبساً بوصف كونه لباساً، وأنشأ النهار متلبساً بوصف كونه معاشاً، وهذا هو المتعين في القرآن، لعدم ما يدل على أنه كان غير عربي من قبل ثم نقله الله إلى العربية.
أما أن يكون كلاماً عربيا منذ الأزل ويتعدى إليه فعل الجعل فهو غير جائز عقلاً ولا لغة، لأن الجعل فعل والفعل سابق على المفعول، فهو سابق على المجعول قطعاً.
ومثل ذلك يقال في قوله سبحانه: (ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا) الآية 52 من سورة الشورى
وهذا يظهر بداهة لمن أمعن نظره في معنى الجعل، وفكر في صفات الله تعالى الأزلية الواجبة، وعدم إمكان تعدي الجعل إليها فإنه من المستحيل عقلاً الممتنع شرعاً أن يقول قائل جعل الله علمه محيطاً بكل شيء، أو قدرته شاملة لكل شيء، أو جعل الله وجوده أزليا أبديا، أو جعل سمعه مدركأ لجميع الأصوات، أو جعل بصره محيطاً بكل المرئيات، لما في هذه العبارات من اقتضاء أن يكون الله محدثاً لهذه الصفات.
واعترض على الاستدلال بجعل القرآن عربيا على خلقه بأن الجعل يكون بمعنى غير الخلق، كما في قوله عز وجل: (ويجعلون لله البنات سبحانه) الآية 57 من سورة النحل
، وقوله: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا)