التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الأنعام

الجزء ١ · صفحة ٣٨٤

ثُمَّ يقال لَهُم يوم القيامة عَلَى جهة التوبيخ: ﴿يا معشر الجنِّ والإنس، ألم يأتكم رسل منكم﴾ بقيام الدليل من رسول أو رسُول الرسُول، كما قَالَ: ﴿ولَّوا إِلىَ قومهم منذِرين﴾ (1)، ﴿يقصُّون عَلَيْكُم آياتي﴾ يقرؤون كتبي؛ هَذَا حكاية لتصديقهم وإيجابهم قوله، وإِقْرَارهم بأنَّ حجَّة الله لازمة لَهُم، ﴿ويُنذِرونكم لقاء يومكم هَذَا، قَالُوا شهدنا عَلَى أنفسِنا﴾ بوجوب الحجَّة علينا، وتبليغ الرسل إلينا، ﴿وغرَّتهم الحياة الدُّنْيَا﴾ لعلَّه بظاهرها المليح لأنَّهم لم يتفكَّروا فيِ عواقبها القبيحة، ﴿وشهِدُوا عَلَى أنفسهم أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)﴾ ذمٌّ لَهُم عَلَى سوء نظرهم، وخطإ رأيهم، فإنَّهم اغترُّوا بالحياة الدنيويَّة واللَّذات المجدبة [كَذَا]، وأعرضوا عَن الآخِرَة بالكلِّية، حتَّى كَانَت عاقبة أمرهم أن اضطرَّهم إِلىَ الشهادة عَلَى أنفسهم بالكفر والاستسلام [158] للعذاب المخلَّد، تحذيرا للسامعين من مثل حالهم.

﴿ذَلِكَ أن لم يكن رَبُّكَ مُهلك القرى﴾ أَي: أهلها، ﴿بظلم﴾ معاملة من يريد ظلمهم، ﴿وأهلُها غافلُونَ (131)﴾ المعنى: لم يكن رَبُّكَ مُهلِك القرى بظلم، بسبب ظلم أقدموا عليه، أو ظالما، عَلَى أنَّه لو أهلكَهُم وَهُم غافلون لم ينبَّهوا برسول وكتاب، لكَانَ ظلمًا، وَهُوَ متعال عَنْهُ.

﴿ولكُلٍّ﴾ مِنَ المكلَّفين، ﴿درجات﴾ منازل، ﴿مِمَّا عملوا﴾ من جزاء أعمالهم، أَي: مراتب من أعمالهم عَلَى حسب مَا يستحقُّونه؛ وقيل: أَرَادَ (لَعَلَّهُ) درجات، ودركات من جزاء أعمالهم، فغلَّب منازل أهل الجنَّة، ﴿وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾ فلا يخفى عليه مقاديره.

{

(1) - … سورة الأحقاف: 29.

٣٨٤ / ١٬٥٨٨