المطلب الثاني : منهج أبي غانم في مدونته
الجزء ١ · صفحة ٧١من المميزات اللافتة للنظر في مدونة أبي غانم الأمانة والدقة في النقل، فإن الإمام أبا غانم ينقل كل ما دار بينه وبين شيخه في المسألة حتى ما لا علاقة له بالموضوع الفقهي، وهو في ذلك أمين ودقيق إلى أبعد الحدود، وكأن الإمام أبا غانم بفعله هذا لم يرد أن يكون كتابه كتاباً علمياً جافاً بل أراده أن يكون كتابا تربوياً، نلمس ذلك من نقله للمحاورات العلمية الممتعة التي كانت تدور بينه وبين أشياخه وما جرى فيها من أخذ ورد وسؤال وجواب، ففي أحدى تلك المحاورات يقول: "قلت لابن عبد العزيز: فالرجل يشتري نصيب أحد الرجلين ثمّ يبيع بعض ما اشترى، ثمّ يجيء الشفيع فيقوم على شفعته وقد فات البيع؟ قال: أسألت عنها أحداً غيري؟ قلت: لا، قال: فاذهب واسأل عنها أبا المؤرج، ثمّ عد إلي فأعلمني بما أجابك فيها، قال: فأتيت أبا المؤرج وسألته عنها فلم يجبني فيها بشيء وقال: الله أعلم، فانصرفت راجعاً إلى ابن عبد العزيز فأعلمته أنه لم يجبني فيها بشيء، قال: هي من المسائل المعضلات، قلت: فما تقول فيها، قال: يقوم فيقوّم الذي باع على قدر القيمة من الشراء، ثمّ يعطي الشفيع على قدر القيمة من الثمن الذي اشترى به، ثمّ انصرفت راجعاً إلى أبي المؤرج، فلما رأيته تبسمت في وجهه، فقال: وما يضحكك؟ قلت: المسألة أجابني فيها ابن عبد العزيز بكذا وكذا، قال: أوضعها في اللوح، ثمّ قال: ليس هذا من رأيه ولكنه سماع من بعض المجالس أو بعض من يلقى من الفقهاء، فأعلمت ابن عبد العزيز بقوله فضحك وقال: عفا الله عن أبي المؤرج، قلت: أفهو كما قال، قال: أمسك الآن عن هذا، أرضي هذا القول ممن قاله؟ قلت: نعم، وكتبها أيضاً في اللوح، قال: سألتك! قلت: أي والله لقد كتبها وأعجب لها، ثمّ أنشأ يحدثني ينسيني ما سألته عنه إن كان رأياً منه أو سماعاً من غيره، فلما فرغ من حديثه قلت: سألتك ألا أعلمت لي بالمسألة إن قلت سمعتها أو قلت فيها برأيك، قال: ما الحاجة هاهنا وبحثك فيه؟