الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٦فإن عارضته في الْحَال الأَوَّل؟ ففي الأثر: أَنَّهُ لا بأس بِجَمِيع الْحبوب التي يَدوسها البقر وتبول عَلَيهَا ما كَانَتْ في حدِّ الدوس. فإن بَالت فيه بعد الدوس وفي غَيْره أفسدته. وقال غَيْره: وقِيلَ: في الْحَبِّ الذي تدوسه البقر وتبول عَلَيهِ ويُغيِّره الدوس والتراب أَنَّهُ لا يفسد، أي: لأَنَّ ذَلِكَ التغيير طهارة له، إذ لا يتوقَّف تطهيره عَلَى الْمَاء.
قال أبو مُحَمَّد: ينجس الْحبُّ ببول الدوابِّ عَلَيهِ في الْجنُّور. والدَّلِيل عَلَيهِ: ما أجمعوا فيه أنَّ الدواب لو بالت عَلَى الْحَبِّ وقد صفى مَحكوم له بِحكم النَّجَاسَة. قال: وَإِنَّمَا قالوا: ما كان في الدوس لا يُحكم بنجاسته الْحَبّ لعدم العلم بِأَنَّ بولَها قد مسَّ الْحَبَّ لاختلاط التبن به، وعلوِّ التبن عَلَيهِ، ومن شأن الْحَبِّ النزول والتبن الارتفاع؛ فكان رشُّ البول عَلَى التبن. ويصحُّ أن يصيب الْحَبّ شَيْء منه، ولكن لَمَّا لَمْ يتيقَّنوا ذَلِكَ لَمْ يَحكموا بتنجّسه.
قُلْتُ: الظاهر أَنَّهُم لَمْ يريدوا ذَلِكَ، وَلَمْ يقصدوه؛ لأَنَّ الْمَفهُوم من كلامهم أن الدوس هو الْمُطَهِّر للحبِّ فَاختلاطه بالترابِ وانقلابه مِن حال إلى حال هو التطهير له؛ فيؤخذ من هذا /211/ الْمَفهُوم أَنَّهُم لَمْ يقولوا بطهارته بعد وقوع البول فيه، لَكِنَّهُم قالوا: إن الدّوس مطهِّر له. ألا تَرى أَنَّهُم قالوا: إذا بالت فيه بعد الدّوس أفسدته، وَلَمْ يقولوا: إذا بالت فيه بعد أن خلص من التبن أفسدته، وَاللهُ أَعلَم.
وقال أبو مُحَمَّد: فإن أصاب البول الْحبَّ فهو نَجس. قِيلَ له: فيغسل الْحَبّ كُلّه؟ قال: فكلُّ الْحَبِّ نَجس، أي: إذا عمَّته النَّجَاسَة أو لَمْ تعمَّه، وَلَمْ يُمكن تَمييز الطاهر منه.
وقوله: "فكل الْحَبِّ نَجس" يَحتمل أن يريد به أَنَّهُ يغسل كُلّه فيكون طهارة له، ويَحتمل أن يكون قد توقَّف في طهارته.