الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٦ووجه ذَلِكَ: أَنَّهَا إذا أُحميت وأُطفئت في الْمَاء فَإِنَّهَا لا َتقبل الْمَاء ولا يدخل فيها؛ لأَنَّ الْمَاء يُهيِّج الْحَرَارَة التي حَصلت بالنار في داخل الْحَدِيد فتدفع الْمَاء؛ لأَنَّ طبعه مضادّ لطبع الْحَرَارَة لَكِنَّهُ يهيِّجها إلى خارج، فإذا انفصلت لا يَقبل الْحَدِيد بعد ذَلِكَ شيئا بداخله لكونه جَمادا متراص الأجزاء، وهذا عَلَى قول الطبيعيِّين، ومن يقول بالكمون والظهور. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَب غيرهم: فليس هناك إِلاَّ أن الله تَعَالَى أزال حرارة النار بالْمَاء عادة أجراها الله.
قُلْتُ: ويلزم هذا القائل أن يقول بِأَنَّ الْحَدِيد والنحاس وشبههما لا ينجسان أبدا؛ لأَنَّهما إذا لَمْ يقبلا الْمَاء في حال حرارتِهما ولا في حال برودهما، فمن اللازم أن لا يقبلا الْمَاء الْمُتَنَجِّس ولا الشَيْء النجس؛ لأَنَّ حكم الْمَاء النجس في دفع الْحَرَارَة إِيَّاهُ حكم الْمَاء الطاهر وسائر الأنجاس.
فإن كَانَتْ مائعة فحكمها حكم الْمَاء أيضا، وإن كَانَتْ جَامِدَة لَيس /230/ فيها من الرطوبة شَيْء فالْجَامِد لا يأخذ من الْجَامِد، فإذا تعذَّر التطهير لَما ذكر من العِلَّة تعذُّر التنجيس. ومن الْمحال أن يقبل النجس ولا يقبل الْمَاء، فبِهَذَا تعرف فساد ذَلِكَ القول مع علَّته.
والصواب الذي لا غَيم عَلَيهِ أن الْحَدِيد وشبهه يَنجس بالنَّجَاسَة ويطهُر بالتطهير، وإن جعل الْحَرَارَة التي أهاجها الْمَاء مُطَهِّرة أقرب من جعلها سببا لتعذُّر الطَّهَارَة؛ لأَنَّها إذا هاجت رفعت ما حصل من أجزاء النَّجَاسَة فيطهر الْمحل، وَاللهُ أَعلَم.
واستدلَّ الشيخ عامر عَلَى التطهير بالْمَسْح بِما روي أَنَّهُ قال - صلى الله عليه وسلم - : «إذَا وَطِئَ الأَذَى أَحدُكُم بِخُفَّيهِ فَطُهرُهُمَا الترَابُ»، قال: وحديث الاستجمار أدلّ منه في الْمَسْح.