مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١١٤وَاعْلَمْ أَنَّ احتجاجَ الأشاعِرَة عَلَى جوازِ التكليفِ بِما لا يُطاق بل عَلَى وقوعِه رَاجع إِلَى إخبارِ الله تَعَالىَ بِعَدَم وقُوعِ الإيمانِ مِمَّن أَخبر عَنه بِذَلِكَ، وإلَى عِلم الله تَعَالىَ بَعْدَ وقوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَع تَكلِيفِه إِيَّاهُم بِالإيمانِ، وذَلِكَ لأَنَّهُمْ احتجُّوا بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْل عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وقَولُهُ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلَتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً* وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، وقولُه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ومَا أشبَه ذَلِكَ عَلَى تَكلِيفِ مَا لا يُطَاق.
قال الفخرُ: "وتَقريرُه أَنَّهُ تَعَالىَ أَخبَر عَن شَخص مُعيَّن، وأَنَّه لا يُؤمِن قطّ فَلو صَدَر مِنْهُ الإيمانُ لَزِم انقلابُ خَبَر الله تَعَالىَ الصدق كذِبًا، وَالكذبُ عندَ الخصمِ قَبيح، وفِعلُ القبيحِ يَستلزمُ إِمَّا الجهل وَإِمَّا الحاجَة وهُما مُحالاَن عَلَى الله تَعَالىَ، وَالْمُفضِي إِلَى الْمُحالِ مُحال، فَصدُور الإيمانِ مِنه مُحال، فالتَّكلِيفُ به تَكلِيف بالْمُحالِ.
وقَد يُذكَر هَذَا فِي صُورَة الْعِلْم، وَهُوَ أَنَّه تَعَالىَ لَمَّا عَلِم مِنه أَنَّهُ لاَ يُؤمِن فكانَ صُدورُ الإيمانِ مِنه يَستلزمُ انقلاب عِلم الله /61/ تَعَالىَ جَهلاً وذَلِكَ مُحال، ومُستَلزمُ المحالِ مُحَال، فالأَمْرُ واقعٌ بالْمُحالِ.