الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٤ · صفحة ٣٤وذكر القطب في "الذهب الْخَالص" من الْحَيوَانات الْمَنهي عن قتلها: الْخُطَّاف؛ لأَنَّ دَورانه جَزع على إحراق بَيت الْمَقدس بِأمر بُختُنصر. وَالْخُفَّاش؛ لأَنَّه قال لَمَّا خُرِّب بيت الْمَقدس: رَبِّي سَلِّطنِي على البحر حَتَّى أغرقهم. قال: وقد ورد النهي عن قتل كُلِّ ذي روح إِلاَّ أن يُؤذي.
فَأَمَّا النمل: فقيل إنَّ الْمُرَاد به: النمل الكبير السليماني، وَأَمَّا النمل الصغير الْمُسَمَّى بِالذَّرِّ فَقتله جَائز عَلى مَا قيل. وكره مالك قتل النمل إِلاَّ أن يضرّ ولا يقدر على دفعه إِلاَّ بالقتل.
وأطلق بعضهم جواز قتل النمل إذا آذت، وهو صحيح عندي إذ ليست أشدّ حرمة من الإنسان، وقد أبيح قتله لدفع أذاه إن لَمْ يردعه إِلاَّ ذَلِكَ.
وعن أبي هريرة عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ - عليهم السلام - تَحتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتهُ نَملَةٌ، فَأمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِن تَحتِهَا وَأَمَر بِها فَأُحرِقَت بِالنَّارِ، فَأَوحَى الله إليه؛ فهلاَّ نَملَةً وَاحِدَةً؟!» قيل: وَلَمْ يُعاتبه الله تَعَالَى على تَحريقها لِكون التحريق كانَ جَائزا في شَرع ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَإِنَّمَا عَاتبه لأَنَّه أخذ الْبَرِيء بِغَيْر الْبَرِيء. وَقِيلَ: إِنَّمَا عَاتب الله هذا النَّبِيَّ - عليه السلام - لانتقامه /377/ لِنَفسه بإهلاك جَمع آذاه واحد منهم، وكان الأولى به الصبر والصفح، لكن وقع للنبيِّ - عليه السلام - أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحُرمة بني آدم أعظم من حُرمَة غَيْره من الْحَيوَان. فلو انفرد هذا النظر ومَا انضمَّ إليه التشفِّي الطبيعي لَمْ يعاتب، فعوتب على التشفِّي بذَلِكَ كذا قيل. وَقِيلَ: في حكمه النهي عن قتل النمل؛ لأَنَّهَا تستسقي، وَاللهُ أَعلَم.