الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٨٣وهي: إمَّا أَن تَكون مقبرة لِلمشركين، وإمَّا أن تكون مقبَرة للمسلمين؛ فإن كَانَتْ من مَقابر الْمشركين فتحويلها مصلَّى أو مَسْجِدًا جاز بَعد أن تسوى ويزال منها الْجِيَف، لِما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ أمر ببناء الْمَسْجِد في متعبّدات الكفَّار وقبورهم إذا نبشت ويَقُولُ: «اجْعَلُوهَا حَيثُ كَانَتْ طَوَاغِيتُهُم»، قال ابن عمر: وكان موضع مَسْجِد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بالْمَدِينَة قبورا للمشركين، وخربا ونَخلا؛ فأمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - /95/ بقبور الْمُشركين فنبشت، وبالْخرب فَسُوِّيت، وبالنخل فقطع، فصفُّوا النخل قبلة الْمَسْجِد، وجعلوا عضائده الْحجارة، وقَالَ: «اجْعَلُوهُ كَعَرِيشِ مُوسَى - عليه السلام - ثُمَامٌ وَخُشَيبَاتٌ». والسرُّ في ذَلِكَ شيئان:
أحدهُما: أن الْمشركين لا حرمة لَهُم، فَإِذَا أزيلت جيفهم وسوِّيت الأرض وصارت طاهرة صار حكمها كسائر بقاع الأرض.
وثانيها: أن في تسويتها وجعل مكانِها الْمَسَاجِد إغاظة للكفَّار، حيث إِنَّهُم يعتقدون عظمة الآباء، وهوان الإسلام، فعوكسوا بنقيض اعتقادهم إهانة للشرك، وإعزازا للإسلام، وإغاظة الكفَّار أَمر مطلوب شرعا، قال تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.
وإن كَانَتْ من مقابر الْمُسلِمِين فإمَّا أن يَكُون الْمَقبور ذا حرمة في الإسلام، وَإِمَّا أن يَكُون لا حرمة له؛ فإن كَانَ لا حرمة له كالذِي يدفن عَلَى الْحِجر والتَّعدية، فَإِذَا زالت قبورهم حَتَّى لا يبقى منها شَيْء جازت الصَّلاَة عَلَى ذَلِكَ الْمَكَان.