الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٨٩فأمَّا الصَّلاَة عَلَى ظهرها حيث لَمْ يكن أمام الْمُصَلِّي جِدار من الكعبة، فلا تَصِحّ قطعا؛ لأَنَّ الصَّلاَة لا تصحُّ إِلاَّ إِلَى القبلة ولا قبلة لِهَذَا الْمُصَلِّي، وقد تقَدَّم أن جابر بن زيد رأى رَجُلا /102/ يُصَلِّي عَلَى ظهر الكعبة فَقَالَ: من الْمُصَلِّي؟ لا قبلة له. وكَذَلِكَ لو انهدمت الكعبة – والعياذ بالله – فالواقف في عرصتها لا تصح صلاته؛ لأَنَّه لا يعدُّ مستقبلا للقبلة، وعلى ذَلِكَ بعض قومنا.
وقال أبو حنيفة وابن السريج: إِنَّهَا تَصِحّ، واختاره الفخر من قومنا مستدلاًّ عَلَى ذَلِكَ بأن القبلة هي ذَلِكَ القدر الْمعين من الْخلاء، والواقف في العرصة مُستقبل لِجزء من أجزاء ذَلِكَ الْخلاء فيَكُون مستقبلا للقبلة، فوجب أن تَصِحّ صلاته. وكَذَلِكَ اختار في الواقف عَلَى سطح الكعبة من غير أن يَكُون في قبالته جدار؛ لأَنَّه مستقبل لذَلِكَ الْخَلاَء والفضاء الذِي هُو القبلة فوجب أن تَصِحّ صلاته.
والْحَقُّ أنَّ القبلة مَجموع ذَلِكَ الْهواء لا بعضه، فلا تَصِحّ الصَّلاَة باستقبال البعض واستدبار بَعض الآخر، وإن كَانَ أمام الْمُصَلِّي جدار من الكعبة فَهو في حكم الْمُصَلِّي في بطنها.
وقد اختَلَفُوا في الصَّلاَة في بطن الكعبة:
- فذهب جُمهور أصحابنا، ومُحَمَّد بن جرير من قومنا: أن الصَّلاَة فِيهَا لا تَصِحّ مُطلقا لا فرضا ولا نفلا، ونسب هَذَا القول إِلَى ابن عباس – رضي الله عَنْهُما -.
- واستحبَّت الشافعية الصَّلاَة فِيهَا. قال القسطلاني: وهو ظاهر في النفل ويلحق /103/ به الفرض، إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم، قَالَ: وهو قول الْجُمهُور.
وظاهر كلام أبي مُحَمَّد أن بعض أصحابنا قَد جوَّز ذَلِكَ. ومنع أبو مُحَمَّد من أصحابنا، ومالك وأحمد من قومنا صَلاَة الفرض فِيهَا دونَ النفل.