الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٩٠قال القسطلاني: ومشهور مذهب المالكية جواز السنَّة فِيهَا وفي الْحِجر لأيّ جهة كَانَتْ، وَأَمَّا الفرض والسنن الْمؤكَدة كالوتر والنافلة الْمؤكَّدة كالفجر فلا يَجُوز إيقاع شَيْء منها فيهما؛ قَالَ: وهو مذهب الْمُدوَّنَة، فإن صلَّى الفرض فِيهَا أعاد في الوقت.
حجَّة أصحابنا: قَوله تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وحديث ابن عَبَّاس قَالَ: «لَمَّا دخلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - البَيتَ دَعَا فِي نَواحِيهِ كُلّهَا وَلَم يُصلِّ حَتَّى خَرجَ مِنه، فَلَمَّا خَرجَ رَكَع رَكعَتينِ فِي قُبُلِ الكَعبَةِ، وقَالَ: هَذِه القِبلَة»، ففي هَذِه الآية وهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الكعبة كُلّها قِبلة، فمن كَانَ داخل الكعبة لا يَكُون متوجِّها إِلَى الكعبة، بل يَكُون متوجِّها إِلَى بعض أجزائها ومستدبرا بعض أجزائها، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يكن مستقبلا لِكُلِّ الكعبة، فوجب أن لا تَصِحَّ صلاته. /104/
وَأُجِيب: بأن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يتوجَّه إِلَى كُلّ البيت وإن صلَّى خارجا منه، بل إِنَّمَا يُمكنه أن يَتَوَجَّه إِلَى جزء من أجزاء البيت. وكَذَلِكَ الذِي في البيت يَتَوَجَّه إِلَى جزء من أجزاء البيت؛ فقد كَانَ آتيا بِما أمر به فَوجب أن يخرج من العهدة.
قلنا: لا سواء، فإنَّ الْمُصَلِّي داخل الكعبة قد استدبر بعضها، والْمُصَلِّي خارجا لَمْ يستدبر شَيئا من أجزائها.
وَأَيْضًا: فالْمُصَلِّي داخلها قد ترك استقبال بعضها اختيارا، والْمُصَلِّي خارجا قد استقبل جُملتها كما أمر؛ فإنَّه إِنَّمَا أمر أن يَتَوَجَّه بصلاته نَحو الكعبة، وَلَم يؤمر أن تكون الكعبة بأسرها قبالة وجهه حَتَّى لا يوجد جزء منها إِلاَّ وَهو مقابل لوجهه، إذ التكليف بذَلِكَ لا يطاق؛ لأَنَّه تكليف بالْمُحال فظهر الفرق والْحمد لله.