الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٢١٢ويوجد عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا نُهي عن لبس الْحَرِير للكبر، وَلَم ير الشيخ عامر بأسا في الصَّلاَة بِحَرير البحر وصوفه، قَالَ: لأَنَّ النهي إِنَّمَا ورد في حرير البر وهو الذِي تسبق النفوس إِلَيْهِ عند الْخطاب، إذ لاَبُدَّ للخطاب من ظاهر تسبق النفوس إِلَيه فيحتاج ما دونه /249/ إِلَى قرينة.
وَقِيلَ: تَجُوز الصَّلاَة في الْخَزِّ الْخالص، ولا تَجُوز في القزِّ والْحَرِير والإبرِسيم إِلاَّ في الْحَرب أو الضرورة. قال أبو عبد الله: لا تَجُوز بالْخزِّ ولا القزِّ؛ لأَنَّهُما من الْحَرِير.
قُلْتُ: الْخَزُّ نَوعان: أَحَدُهُمَا: ما ينسج من صوف وإبرسيم. ومنه قول بعضهم: فَإِذَا أعرابِي يَرفل في الْخزور. قِيلَ: وقد لبسه الصحابة والتابعون. وفي كلام أبي سعيد: أن الْخزّ من القطن - فيما قيل -، وعلى هَذَا يُحمل قول من أجاز الصَّلاَة فيه.
والنوع الثَّانِي: جِنس مَعمول كُلّه بالإبرسيم، ومنه الْحَدِيث: «قَومٌ يَستَحِلُّونَ الْخَزَّ والْحَرِيرَ»، وكذا حديث عليّ: «نَهَى عَن رُكوبِ الْخزِّ والْجُلُوسِ عَلَيْهِ»، وعَلَيْهِ يُحمل قول أبي عبد الله في منع الصَّلاَة به.
وَأَمَّا القزُّ: فهو الإبرسيم، وقال الأزهري: هو الذِي يسوَّى منه الإبرسيم، وَلَم ير أبو عبد الله بأسا عَلَى رَجُل حَزم صدره بِخرقة حرير، قَالَ: وَإِنَّمَا يكره ذَلِكَ في اللباس، وَقِيلَ: من رَبط عَلَى جُرحه خرقة حرير وصلَّى فلا نقضَ حَتَّى يَفضل من الْخرقة عَلَى الْجرح أكثر من عرض أصبعين ثُمَّ ينقض؛ فهَذَا القائل جعل التحريم في فضل الْحَرِير، وَلَم يَجعله في اللباس كما جعله أبو عبد الله، فيؤخذ من كليهما الْخِلاَف /250/ في الْمحرّم عَلَى الرجال من ذَلِكَ، هل هو ذات الْحَرِير حَتَّى لا يَصِحّ له أن يَجعله عَلَى جسده إِلاَّ من عذر أو في حرب؟ أو أن الْمحرم نفس اللباس؟ فما لَمْ يكن لباسا فلا بأس به، وَاللهُ أَعلَم.