الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٢٣٦ولعلَّ بعض من حكم بنَجَاسَة أبدانِهم رخَّص في ثِيَابِهم نظر إلى أن الأصل في الثِّيَاب كلها الطَّهَارَة ما لَمْ تعلم بِهَا نَجَاسَة، وهو الْمَعنَى الذي نبَّه عَلَيْهِ أبو سعيد -رحمة الله عَلَيْهِ-.
وَأَمَّا القول: بِجَوَازِ الصَّلاَة فيها فيحتمل أن يكون مَبْنِيًّا عَلَى القول بطَهَارَة أبدانهم عند من يرى ذلك، وأن يكون مَبْنِيًّا عَلَى الأصل الذي نبَّه عَلَيْهِ الشيخ أبو سعيد، وهو الْحُكم بطَهَارَة الثِّيَاب ما لَمْ تعلم بِهَا نَجَاسَة، وَاللهُ أَعلَم.
الأمر الثالث: في الصَّلاَة في الثوب النجس إذا تعذَّر عَلَيْهِ الطاهر
قال أبو مُحَمَّد: اتَّفَق أَصحَابنَا عَلَى إجازة الصَّلاَة بالثوب النجس إذا لَمْ يَجد الْمُصَلِّي ثوبا غيره، وإن كان الْمُصَلِّي في نفسه طاهرا متطهِّرا، قال وفرض الاستتار بالثوب وإن كان نَجسا غير زائل عنه. قال: وقد وافقنا عَلَى ذلك الْحَسَن بن أبي الْحَسَن ومُحَمَّد بن الْحَسَن - صاحب أبي /278/ حنيفة -، وإن كان قد خالفهم في ذلك الشافعي وأصحابه من أهل الْحِجاز، فقالوا: يُصَلِّي وهو عريان.
قال: وَأَمَّا أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق فقد أجازوا له الصَّلاَة إذا كانت النَّجَاسَة أقل من ملآه، وإن كانت النَّجَاسَة مستفرغة له خيّروا الْمُصَلِّي بين أن يُصَلِّي فيه أو يُصَلِّي عريانا.
قال: الدَّلِيل لأَصحَابنَا عَلَى صحَّة مقالتهم إجماع الْجَمِيع عَلَى أن من لا يُمسك بوله ولا غائطه أن عَلَيْهِ الصَّلاَة. وكَذَلِكَ من كانت به جراحات لا ترقى ولا ينقطع منها الدم أن فرض السترة عَلَى هؤلاء ولو امتلأت بالدم والنَّجَاسَة.
وَلَمْ يُسقط الله فرض السترة مِن أجل أَنَّهَا نَجسة؛ لأَنَّهم لا يَجدون إلى غيرها سبيلا، قال: ففي هذه الأشياء دلالة عَلَى أن من لَمْ يَجد سبيلا إلى ثوب طاهر أن فرض السترة بالثوب الذي ليس بطاهر واجب أيضا.