معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 2 في الصلاة

الجزء ٥ · صفحة ٢٦٢

وَقِيلَ: إنَّها كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت بِه حراما بَعد الدعوة؛ فالأَوَّل: بِمنع الله تَعَالَى من الاصطلام وبِما جعل في النفوس من التعظيم، والثاني: بالأمر عَلَى ألسنة الرسل.

أَمَّا مَكَّة: فتسمَّى: مَكَّة، وبكَّة، وأمّ القرى، والْحاطمة؛ لأنَّها تُحطِّم من استخفَّ بِها.

فَأَمَّا تَسميَّتها "مَكَّة": فلأنَّها تَمكُّ الذنوب، أي: تزيلها كُلّها، من قولك: أَمْتَكَ الفصيلُ ضَرع أمِّه إذا امتصَّ ما فيه. أو لاجتلابِها الناس من كُلِّ جانب من الأرض، يقال: أَمتَكَ الفصيلُ إذا استقصَى مَا في الضرع، ويقال: تَمَكَّكتُ العظمَ إذا استقصيتُ مَا فيه. أو سُمِّيَت بذلك لقلَّة مَائها، كأنَّ الأرض أَمتَكَت مَاءها. أو لأنَّها وسط الأرض وَالعيون، والْمياه تنبع من تَحت مَكَّة؛ فالأرض كُلّها تَمُكُّ مِن ماء مَكَّة.

وَأَمَّا تَسميتها "بَكَّةَ": فلأنَّها تبكُّ أعناق الْجبابرة، لا يريدها جبَّار بسوء إِلاَّ اندقَّت عنقه، تقول العرب: بَككت عنقه، أبُكُّه بَكًّا: إذا وضعت منه ورددت نَحوته.

أو كما قال سَعيد بن جبير: سُمِّيَت مَكَّة بكَّة؛ لأنَّهم يتباكون فيها، /313/ أي: يزدحمون في الطواف. قال الفخر: وهو قول مُحَمَّد بن علي الباقر ومُجاهد وقتادة.

ومن الناس من فرق بين مَكَّة وبكة:

فقال بعضهم: إنَّ بكَّة اسم للمسجد خاصة، وَأَمَّا مَكَّة فهو اسم لكلِّ البلد. قالوا: والدَّلِيل عَلَيْهِ أنَّ اشتقاق بَكَّة من الازدحام والْمدافعة، وهذا إنَّما يَحصل في الْمَسْجِد عند الطواف لا في سائر الْمواضع.

وَقِيلَ: مَكَّة اسم للمسجد والْمطاف، وبَكَّة اسم البلد، قال الفخر: والدَّلِيل عَلَيْهِ أنَّ قوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يدل عَلَى أنَّ البيت حاصل في بَكَّة ومَظروف في بَكَّة، فلو كان بَكَّة اسْما للبيت لَبطل كون مَكَّة ظرفا للبيت، أَمَّا إذا جعلنا بَكَّة اسْما للبلد استقام الكلام.

١٬٥٣١ / ٣٬٧٥٢