الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٢٦٦قال: وعن وهب بن منبِّه قال: "إنَّ آدم - عليه السلام - لَمَّا أهبطَ إلى الأرض استوحشَ مِنها لِمَا رأى من سعتها، ولأنَّه لَمْ ير فيها أحدا غيره، فقال يا رَبِّ: أمَا لأرضك هذه عَامر يُسبِّحك فيها ويقدِّس لك غيري؟ فقال الله تَعَالَى: إِنِّي سأجعل فيها من ذُرِّيتك مَن يسبِّح بِحمدي ويقدِّس لِي، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري، فيسبِّحني فيها خلقي، وسأبوّؤكَ منها بَيتا أختاره لنفسي وأخصُّه بكرامتي، وأوثره عَلَى بيوت الأرض كُلّها باسْمي، وأُسَمِّيه بيتي، وأعظِّمه بعظمتِي، وأحوطه بِحرمتي، وأجعله أحقّ البيوت كُلّها، وَأَولاَها بذكري، وأضعه في البقعة التي اخترتُ لنفسي، فإنِّي اخترت مَكَانهُ يَوم خلقت السموات والأرض. أجعل /318/ ذلك البيت لَك ولِمن بَعدك حرما آمنا، أحرِّم بِحرمته ما فوقه وما تَحته وما حوله، فمن حرَّمه بِحرمتي فقد عظَّم حرمتي، ومن أحلَّه فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أمانِي، ومن أخافهم فقد أخافني، ومن عظَّم شأنه فَقد عظم في عَيني، ومن تَهاون به فقد صغر في عيني، سكَّانُها جيرانِي، وعمَّارها وَفدِي، وزوَّارُها أَضيافِي، أجعله أَوَّل بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجا شعثا غُبْرا، ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ يعجُّون بالتكبير عجًّا إِلَيَّ، ويثجُّون بالتلبية ثَجًّا؛ فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضَافني، ونزل بِي ووفد علي، فحقَّ لي أن أُتْحِفَه بكرامتي، وحقٌّ عَلَى الكريم أن يُكرم وفده وأضيافه وزوَّاره، وأن يُسعِف كُلَّ واحد منهم بِحاجته.