الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٤٤١وَأَمَّا الركوع والسجود: فالْمَقصُود مِنهُما التعظيم، ولو جاز أن يكون تعظيما لله تعالى مع أَنَّه غافل عنه لجاز أن يكون تعظيما للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه، ولأنه إذا لَمْ يحصل التعظيم لَمْ يبق إِلاَّ مجرد حركة الظهر والرأس وليس فيها من المشقة ما يصير الفعل لأجله عمادا للدين، وفاصلا بين الكفر والإيمان، ويقدَّم عَلَى الْحَجِّ والزكاة والجهاد بسببه على الخصوص.
وَبالْجُملَة: فَكلُّ عاقل يقطع بأن مشاهدة الْخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إِلاَّ أَن يَنضاف إِلَيْهَا مقصود هذه الْمناجاة، فدلَّت هذه الاعتبارات على أن الصَّلاَة لاَ بُدَّ فيها من الْحُضور.
وَأَيضًا: فإنَّ السجود لله تعالى طاعَة، وللصنم كفر، وَكُلُّ واحد مِنهُما يُماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بُدَّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، وما ذاك إِلاَّ القصد والإرادة.
والْمُرَاد من القصد إيقاعُ تلك الأفعال لِداعيَة الامتثالِ، وهذه الداعيَة لا يُمكن حصولها /37/ إِلاَّ عندَ الْحُضور، غير أنَّ نظر الفقهاء متعلِّق ببناء ظاهر أحكام الدنيا على ظاهر أعمال الْجَوارِح، فتجري فَتاويهم في صِحَّة الصَّلاَة وفسادها بِحسب مُوافقة الشرعِ ومُخالفته في الظاهرِ، فَلذا كانت أبحاثهم غالبا في أعمال الْجَوارِح، وإن لاَحَظ بعضهم أعمال القلوب في بعض الْمواطن، فذلك إرشاد للعباد فيما يلزمهم ظاهرا وباطنا، وَاللهُ أَعلَم.
واحتجَّ من قال بِأَنَّهَا تصحُّ ولا ثواب لَها بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «هَل تَرَونَ قِبلَتِي، وَاللهِ مَا يَخفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُم ولاَ خُشُوعُكُم، وَإِنِّي لأَرَاكُم وَرَاءَ ظَهرِي»، قال لَهم ذلك لَمَّا رَآهم غَير خاشعين، ومع ذلك فلم يأمرهم بالإعادة، ولو كانت صلاتهم غير صحيحة لأمرهم بإعادتها.