الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٦٢قال أبو ستَّة: والْجُمهُور عَلَى أنَّ الثانية هي الفريضة دون الأولَى -كما ذكره الشيخ إسماعيل-.
قُلتُ: لكن الْمَشَارِقَة مِن أصحابنا يشدِّدون في التَّشَهُّد الأوَّل مَا لا يشدِّدونَه في الثاني، فَإِنَّه يوجد لبعضهم قول: أَنَّه إذا قعد في التَّشَهُّد الثاني بقدر ما يقول: «التَّحِيَّات» ولو لَمْ يقل منها شيئا فقد تَمَّت صلاته؛ لأَنَّ التَّحِيَّات سنَّة وليست فريضة. وَلَعَلَّه أراد بذَلِكَ عند النسيان أو العذر؛ لأَنَّ من قواعدهم أنَّ ترك السنن في الصَّلاَة عمدا ناقض.
على /161/ أَنَّهُم قد اختَلَفُوا في ذَلِكَ:
فقَالَ بَعضُهم: إِنَّهَا فرض. وَقالَ آخَرُون: سنَّة.
ويلزم القائل بأَنَّهَا سنَّة إِجراء حُكم السنن فيها. ولا فرق بين الأولَى والثانية، فإن ثبتت فرضية الأولَى ثبتت فرضية الثانية، وإن كانت سنَّة ففي الْمَوضعين مَعا، وتلزمه أحكام السنن عند القائل بذَلِكَ. وأكثر الْمَذهَب عَلَى الوجوب، وبه جرى الإفتاء في الْمشرق والْمَغرِب.
والْحُجَّة لنا عَلَى ذَلِكَ: حديث ابن عباس: «كانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُنا التَّشَهُّدَ كمَا يُعلِّمُنَا السورَةَ مِنَ القرآنِ». وعن ابن مسعود عند مسلم: «علَّمنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التَّشَهُّدَ كَفِّي بَيْنَ كَفَّيهِ كَمَا يُعَلِّمُنِي السورَةَ مِنَ القُرآنِ».
وسمع بعضهم عمر بن الْخَطَّاب يعلِّم الناس التَّشَهُّد عَلَى الْمنبر.
وواظبَ عليه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: «صَلُّوا كمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي».
وقال عمر: "من لَمْ يتشهَّد في صلاته فلا صلاة له".
وقال نافع مولى ابن عمر: "من لَمْ يتَكَلَّم بالتحيَّة فلا صلاة له".