الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٧٥وَقِيلَ: لا بأس أن يدعو لأمر الدنيا والآخرة وهو ظاهر قول أبي عبيدة، ويَدُلّ عليه الْحَدِيث الْمتَقدِّم، فإن قوله: «ليَتَخَيَّر مِنَ الدُّعَاءِ أَعجبهُ» شامل لكُلّ دعاء، وبعمومه أخذت الشافعية والْمالكية، حَتَّى أَنَّهُم أجازوا كُلّ دعاء مأثور وغيره مِمَّا يتعلَّق بالآخرة -كقوله: "اللَّهُمَّ أدخلني الْجَنَّة"- أو الدنيا مِمَّا يشبه كَلاَم الناس كقوله: "اللَّهُمَّ ارزقني زوجة جَميلة، ودراهم جزيلة" ما لَمْ يكن إثْما.
وقصَره الْحَنفِيَّة عَلَى ما يناسب الْمَأثُور فقط مِمَّا لا يشبه كَلاَم الناس، مُحتجِّين بقوله -عليه الصَّلاَة والسَّلاَم-: «إنَّ صَلاَتَنَا هَذِه لاَ يَصلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِن كَلاَمِ الناسِ».
واحتَجَّت الشافعية بقوله -عليه الصَّلاَة والسَّلاَم-: «سَلُوا اللهَ حَوائِجَكُم حَتَّى الشَّسْعَ لِنِعَالِكُم وَالْمِلحَ لِقُدُورِكُم».. وفيه أن ذَلِكَ ليس نصًّا في الصَّلاَة، فلا يَدُلُّ عَلَى جوازه في الصَّلاَة.
واستثنى بعض الشافعية ما يَقبح من أمر الدنيا كقوله: "اللَّهُمَّ أعطني امرأة جَميلة هَنُها كذا"، ثُمَّ يذكر أوصاف أعضائها؛ لأَنَّ في ذَلِكَ سوء أدب.
وقَالَ بَعضُهم: الدُّعَاء بأمور الدنيا في الصَّلاَة خطر، وذَلِكَ أَنَّه قد تلتبس /172/ عليه الدنيا الْجَائِزة بالْمَحظورة فيدعو بالْمَحظورة فيَكُون عاصيا مُتَكَلِّمًا في الصَّلاَة فتبطل صَلاته وهو لا يشعر.
أَلاَ ترى أن العامَّة يلتبس عليها الْحَقّ بالباطل، فلو حكم حاكم عَلَى عامي بِحقٍّ فظنَّه باطلا فدعا عَلَى الْحاكم بَاطلا بطلت صلاته.
وتَمييز الْحظوظ الْجَائِزة من الْمحرَّمة عَسِر جدًّا، فالصواب أَلاَّ يدعو لدنياه إِلاَّ عَلَى تثبّت من الْجواز.
وهذه كُلّها أقوال الغير، وبعضها أَقرب من بعض.